سعيد محمود - وقفات إيمانية مع اسم الله "الحفيظ" (موعظة الأسبوع) - بوابة الفتح الالكترونية
سعيد محمود
2019-01-15 15:11:38

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

الغرض مِن الموعظة:

التنبيه على فضل التعبد لله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، بأسلوبٍ وعظي إيمانيٍ، وبيان أن ذلك مِن أعظم أبواب التعبد لله -عز وجل-؛ لأن كل العبادات تأتي تبعًا بعد معرفة الله -عز وجل-.

المقدمة:

- أكثر الخلق لا يغفلون أسباب الحفظ المادية: (تناول الأدوية والعلاجات - وضع الحراسات والأبواب الحديدية والأقفال - حزام الأمان والاطمئنان على إطارات السيارة ونحوه قبل السفر - خزانة الأموال - تأمين مستقبل الأولاد - وغير ذلك... ).

- ويغفلون عن السبب الحقيقي للحفظ: وهو حفظ الحفيظ -سبحانه- الذي يقدِّر ما يشاء على هذه الأسباب المادية؛ والا فإن كل أسباب الحفظ المادية ستنسى إذا انعدمت فائدتها ساعة الحاجة إليها، قال -تعالى-: (وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) (سبأ:21).

- تَصور هذا المشهد: "طائرة تقلع مِن المطار متجهة إلى دولةٍ أخرى -قطعة من الحديد تسبح في الهواء- تحملها أجنحة ضخمة، وعدد مِن المحركات الضخمة تدفعها، وركاب الطائرة كل واحد منهم في شأن، وفجأة يعلن قائد الطائرة عن عطلٍ فنيٍ يعرض الطائرة للخطر، فإذا بكل شيءٍ يتغير، ويملأ الرعب والخوف القلوب والمكان، بعد أن كانوا في أحوالٍ مطمئنةٍ؛ نسوا جميعًا كل شيء، وصاروا جميعًا يجأرون: يا رب... يا رب!".

أين المحركات الضخمة والأجنحة الهائلة؟

أين القدرة الهائلة لأحدث الطائرات في هذه اللحظة؟

قال الله -تعالى-: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) (يونس:22).

- جأرت القلوب قبْل الألسنة مِن الجميع؛ المؤمن والكافر: "يا الله... يا الله!": قال الله -تعالى-: (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ . بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ) (الأنعام:40-41).

(1) حفظ الحفيظ لعباده:

- جعل الحفيظ أربعة ملائكة يحفظونك مما لم يقدَّر لك: قال الله -تعالى-: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) (الرعد:11)، قال المفسرون: "يحفظونه بأمر الله". وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "ملائكة يحفظونه مِن بيْن يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله خلوا عنه" (تفسير ابن كثير).

- بل الحفيظ يحفظ الكائنات الأخرى مِن بعضها: قال -تعالى-: (وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) (سبأ:21)، قال -تعالى-: (الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) (طه:50).

- أمثلة: (يحفظ بعضها بالجري السريع كالغزال والأرنب - وبعضها بالقرون التي تبقر بطن عدوها كوحيد القرن والجاموس - وبعضها بضخامة الجثة فتدكدك أعدائها كالفيل والدب - وبعضها بالسموم الكامنة في أجسادها كالثعابين والعقارب - وبعضها بالتلون كالحرباء - وبعضها بالطيران - وبعضها بالمراوغة - ... )، وما يعلمه الله وحده مِن حفظه أعظم وأكثر وأكثر...

(2) حفظه ودفاعه عن أوليائه:

- الحفيظ يدافع عن أوليائه ويحفظهم مِن أعدائه: فتصور طبيعة الخصومة، ومَن المنتصر ومَن المنهزم؟ قال -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا) (الحج:38)، وفي الحديث القدسي قال الله -تعالى-: (مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ) (رواه البخاري).

- لن يقدر العالم كله أن يضرك إذا كنتَ في حفظ الحفيظ: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، (قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى . قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) (طه:45-46)، وقال: (قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا) (القصص:35).

صور مِن حفظه -تعالى- لأوليائه:

1- حفظه -سبحانه وتعالى- النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- ليلة الهجرة مِن موت محقق: (اطلاعه على مكر المشركين - الأمر بالهجرة - تضليل المشركين عند البيت وعند الغار)، قال -تعالى-: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (الأنفال:30)، وقال -تعالى-: (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) (يس:9)، (إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) (التوبة:40).

2- حفظه -سبحانه وتعالى- موسى -عليه السلام- صغيرًا مِن القتل: "فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ) (القصص:7) - عطف قلب امرأة الفرعون عليه - تحريمه المراضع عليه إلا أمه!"، قال الله -تعالى-: (وَأَوْحَيْنَا إلى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) (القصص:7)، وقال: (أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي) (طه:39).

3- حفظه -سبحانه وتعالى- لوطًا -عليه السلام- إذ هجم أعداؤه على باب بيته ليخلعوه ليصلوا إلى ضيفه بالفاحشة، فحال بينهم وبينه، فقهرهم وهزمهم: قال الله -تعالى-: (وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ . قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ . قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ . قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ) (هود:78-81)، (وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ) (القمر:37).

 4- صورة معاصرة: "أحد الدعاة الى الله، يتعرض لمحاولة اغتيال وهو في سيارته، حيث وجَّه إليه المعتدى ست رصاصات مِن مسافة متر تقريبًا بدون حائل، وبدون مقاومة مِن أحدٍ لمنعه؛ فينجو الداعية، ولم تصبه رصاصة واحدة، في الوقت الذي قتل الرئيس الأمريكي "جون كنيدي" برصاصةٍ واحدةٍ مِن مسافة بعيدة، وفي حالة تحرك سيارته، وحوله الحرس والجنود! "، قال -تعالى-: (وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الأنعام:17)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ).

(3) أعظم الحفظ:

- ليس حفظ الحفيظ -سبحانه وتعالى- محصورًا في بدنك ومالك وولدك فحسب، بل أعظم الحفظ أن يحفظ قلبك مِن الزيغ والضلال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ، مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ) (رواه مسلم).

- ماذا لو تخلى الحفيظ عن حفظك؟!

قال الله -تعالى-: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ . وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (الأعراف:175-176).

(4) خاتمة: مجمل كيفية استدامة الحفظ مِن الحفيظ -سبحانه-:

- احفظه -سبحانه- في حفظ أوامره؛ فقم بها كما أمرك، واحفظه في نواهيه؛ فانتهِ عنها كما نهاك: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ، يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني).

- أحسن توكلك، وداوم على الانكسار والافتقار، يحفظك إذا داهمتك الأخطار كما يحفظ أولياءه الأبرار: قال الله -تعالى-: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) (الأنبياء:78)، وقال -تعالى-: (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (الصافات:143-144)، (فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (يوسف:64)، (إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) (هود:57).

فاللهم احفظنا مِن بيْن أيدينا، ومِن خلفنا، وعن أيماننا وعن شمائلنا، واحفظنا بالإسلام قائمين في كل وقتٍ وحينٍ.