شريف طه - ضبط البوصلة! - بوابة الفتح الالكترونية
شريف طه
2019-01-15 15:07:56


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فتضطرب البوصلة أحيانًا فنخلط بيْن مَن نعاديهم ومَن نختلف معهم؛ يحدث هذا نتيجة الخلاف الحاد الذي يسعى فيه كل طرف لشيطنة الآخر بكل وسيلة ممكنة؛ مشروعة كانت أم لا!

والقرآن العظيم هو الهداية والشفاء، والنور المبين لمَن تدبره وانتفع به، يحكي لنا عن موسى -عليه السلام- حينما رأي إسرائيليًّا مِن أهل التوحيد والإيمان يشاد فرعونيًّا كافرًا ظالمًا للمرة الثانية، رغم ضعف بني إسرائيل حينها، فوبخه موسى على ذلك قائلًا له: (إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ) (القصص:18)، ومع ذلك لم تمنعه غوايته عن الدفع عنه أمام مَن وصفه القرآن بأنه: (عَدُوٌّ لَهُمَا) (القصص:19)!

إن أعداءنا الحقيقيين هم أعداء الإسلام مِن الكفار والمنافقين، وأما أهل الإسلام فنواليهم على قدر إيمانهم، ونتبرأ منهم على قدر بدعتهم ومعصيتهم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "والواجب على كل مسلم أن يكون حبه وبغضه، وموالاته ومعاداته تابعًا لأمر الله ورسوله، فيحب ما أحبه الله ورسوله، ويبغض ما أبغضه الله ورسوله، ويوالي مَن يوالي الله ورسوله، ويعادي مَن يعادي الله ورسوله.

ومَنْ كان فيه ما يُوالى عليه مِن حسنات وما يعادى عليه مِن سيئات، عومل بموجب ذلك، كفساق أهل الملة؛ إذ هم مستحقون للثواب والعقاب، والموالاة والمعاداة، والحب والبغض؛ بحسب ما فيهم مِن البرِّ والفجور، فإنَّ (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ . وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) (الزلزلة:7-8)، وهذا مذهب أهل السُّنة والجماعة، بخلاف الخوارج والمعتزلة، وبخلاف المرجئة والجهمية؛ فإنَّ أولئك يميلون إلى جانب، وهؤلاء إلى جانب، وأهل السنة والجماعة وسط" (المجموع 35/ 94-95).

وعلى هذا الاتزان تربي الصحابة -رضي الله عنهم-؛ نظر أنس بن النضر إلى أصحابه يوم أحد، وقد تراجعوا، وعصى الرماة أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاَءِ -يَعْنِي أَصْحَابَهُ-، وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاَءِ -يَعْنِي المُشْرِكِينَ-" ثُمَّ تَقَدَّمَ. (رواه البخاري)، فالعدو الكافر يُتَبرأ منه، والمسلم يُعْتذر عنه.

وهذا كله لا يمنع أن نقول للمخطئ: "أخطئت"، فقد قال موسى -عليه السلام- للإسرائيلي: (إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ)، ونزل القرآن ببيان أخطاء الصحابة يوم أحد، رغم ما كانوا فيه مِن جراحٍ نفسيةٍ ومعنويةٍ: (حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) (آل عمران:152)، ويتأكد هذا حينما يكون الأمر متعلقًا بالدِّين ومعالمه وأحكامه، فيكون الحفاظ على ذلك واجبًا مِن عبث العابثين وابتداع المبتدعين.

ألم تر كيف وقف علماء أهل السُّنة لبيان خطر الروافض لما خشوا مِن اغترار الناس بمنهجهم في أوج الصراع بين حزب الله وإسرائيل في وقتٍ أراد البعض رفع شعار: "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"؟! مع عدم تكفيرنا للشيعة بالعموم، ولكن الحفاظ على الدين والعقيدة مقدم.

وهذا لا يمنع أيضًا مِن إقرار السياسة الشرعية التي تزن الأمور بميزان الشريعة، وما يُقدم مِن المصالح وما يؤخَّر، وفقه القدرة والعجز، والفرق بيْن المداراة والمداهنة ومواطن الإقدام والإحجام؛ كل هذا وفق ميزان الشريعة وليس الأهواء، وقد قال -تعالى-: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (الجاثية:18).