• الرئيسية
  • الأخبار
  • عيدنا أهل الإسلام... (نشرة تصدرها الدعوة السلفية في الأعياد - عيد الأضحى المبارك 1440هـ)

عيدنا أهل الإسلام... (نشرة تصدرها الدعوة السلفية في الأعياد - عيد الأضحى المبارك 1440هـ)

الدعوة السلفية الدعوة السلفية

عيدنا أهل الإسلام... (نشرة تصدرها الدعوة السلفية في الأعياد - عيد الأضحى المبارك 1440هـ)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

معشر المسلمين...

هذا يوم عيدنا، يوم الحج الأكبر، يوم يربط حاضرنا بماضينا لنستلهم منه الطريق الذى ينبغي أن نسير عليه،

ومِن بين الدروس الكثيرة التي تفوح مِن هذه  المناسبة العظيمة نقتطف هذه الدروس لعل الله أن ينفعنا بها.

حرمة الدماء:

في مثل هذا اليوم، يوم النحر عام حجة الوداع، وبعد أن نزلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تلك المنحة الربانية الفريدة لهذه الأمة، وهي قوله -تعالى-: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) (المائدة:3).

وبعد أن خطب النبي -صلى الله عليه وسلم- خطبة عرفة الجامعة التي وضع فيها كل شيء مِن أمر الجاهلية تحت قدميه الشريفتين -صلى الله عليه وسلم- أتحف الأمة بخطبة أخرى جامعة في منى يوم النحر، كان مِن أبرز ما حفظه جمع مِن الصحابة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيها: قوله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا) (متفق عليه)، والبيت الحرام والشهر الحرام والتي أفضل أيامها، بل أفضل أيام السَّنة على الإطلاق يوم النحر، حرمات ماثلة في أذهان المخاطبين بحيث لا يتصور في نفوسهم ما هو أعظم حرمة مِن هذا، ومِن أجل هذا جمع النبي -صلى الله عليه وسلم- كل هذه الحرمات، وجعل حرمة المسلم في نفسه وماله وعرضه مساوية لهذه الحرمات المغلظة.

ويأتي على رأس هذه الحرمات:

لقد توعد الله مَن قتل مسلمًا بغير وجه حق فقال: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) (المائدة:32).

وبالغ النبي -صلى الله عليه وسلم- في ذم مَن يسفك الدماء باسم الدين، فذم الخوارج ووصفهم بوصفٍ جامعٍ (يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ) (متفق عليه)، فكل مَن استحل دم المسلمين أيًّا ما كانت الشبهة التي دخلت عليهم داخل في هذا الوصف؛ ولذلك تجدهم يتخذون مسالك شتى للوصول إلى تكفير المسلمين فتارة يكفرون مرتكب الكبيرة رغم اجماع أهل السنة على أنه مسلم عاص، وتارة يكفرون الحكام دون بصر أو روية، وتارة يحكمون على المجتمعات بأنها مجتمعات جاهلية، وهم في هذا يصدق عليهم وصف النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَحْدَاثُ الأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأَحْلاَمِ) (متفق عليه).

لقد فجع المجتمع المصري ونحن في هذه الأيام الفاضلة بحادث انفجار سيارة ملغمة أمام معهد الأورام ترتب عليه موت عدد كبير مِن المارة، نسأل الله أن يتقبلهم عنده في الشهداء.

كما نتج عنه تهدم وجهة مبنى معهد الأورام الذي يعتبر أكبر مستشفى مجاني لعلاج الأورام في مصر، ويخدم عددًا كبيرًا مِن الفقراء الذين ابتلوا بهذا المرض، ويقال: إن السيارة المفخخة كانت في طريقها إلى مكان ما، ولكنها اصطدمت بسيارات أخرى فانفجرت في ذلك المكان.

لقد قدَّر الله أن يحدث الانفجار في هذا المكان حيث هؤلاء المرضى الضعفاء؛ ليزداد جُرم هذا العدوان بشاعة في نفوس الناس، وليعلم مرتكبو هذه الأحداث ما تجنيه أيديهم من جرائم ومخازٍ!

وهذه الأحداث تضاعف المسئولية على الجميع في أن يعلِّموا الشباب دينهم، ويمنعوا على هؤلاء الخوارج الطريق في أن يستدرجوهم إلى طريق التكفير والتفجير.

مهاجمة الثوابت هي مزيد مِن سكب البنزين على النار:

إن خطبة الوداع قد تضمنت أهم الوصايا التي أراد النبي -صلى الله عليه وسلم أن يوصي بها أمته؛ لا سيما وأنه قد علم بقرب رحيله لما أنزل الله عليه قوله -تعالى-: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) (المائدة:3).

وهذا مما يدل على أن مسألة حرمة الدماء هي مِن جملة هذه القضايا التي أولاها الإسلام عناية خاصة، ولكن لا بد لكل مجتمع مِن أن ينجرف بعض أفراده أو جماعاته عن مثله وقيمه، ووجد في الإسلام مَن أخل بهذا الأمر كما ذكرنا في شأن الخوارج.

فهل يُسأل الإسلام مع وضوحه في هذه القضية عن أفعالهم أم يجب أن يحاكموا هم إلى الإسلام ويُلزَموا بما فيه من حجج شرعية على بطلان افعالهم؟!

إن الإجابة التي لا تحتمل شيئًا مِن التردد هو أن الإسلام حجة على كل مسلم، وأنه ليس هناك مَن هو حجة على الإسلام، وأن الواجب ان نحاكم كل مسلم إلى الأدلة الشرعية الصحيحة.

ومِن ثّمَّ فإذا انحرف من انحرف في تلك القضية فالعلاج هو في بيان حرمة الدماء مِن كتاب الله ومن سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وبيان الفرق بين الجهاد الشرعي، وبين تلك الفتن وذلك العدوان الذي يقترفه هؤلاء.

وهذه القضايا عادة ما نجدها في القرآن مجملة بينما هي في السُّنة مفصَّلة -بفضل الله تعالى-، وبالتالي فالعلاج في هذه القضية وفي غيرها هو العودة إلى الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، ولكن للأسف نجد من يظن أن البخاري ومسلم والأئمة الأربعة، وسائر تراث الأمة، هو بيت الداء، فكلما أخطأ الإرهابيون هاجم هؤلاء المتغربون السنة ورجالها وكتبها، وهم بذلك يزيدون الطين بلة مِن حيث يظنون أنهم يحسنون صنعًا:

أولًا: بعدوانهم على السُّنة وتنقصهم من أهل العلم.

ثانيًا: بأنهم بذلك يسهلون على المتطرفين مهمة إقناع الشباب أنه ليس هناك إلا أن تكون في معسكرهم؛ وإلا فستجد نفسك مع المفتونين بحضارة الغرب الطاعنين في حضارة الإسلام.

ثالثًا: كما أن هؤلاء عندما يتخلصون من السُّنة يفسِّرون القرآن على أهوائهم، فإن الخوارج يريدون أيضًا ذات الهدف، ولكنهم حينها سيفسرون القرآن بما يتوافق مع أهداف مضادة يكفرون بها عصاة المسلمين، بل يكفرون مجتمعاتهم قاطبة.

فالعلاج الصحيح والوحيد هو بيان الإسلام كما أنزله الله على رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وكما فهمه وطبقه الصحابة والتابعون وتابعوهم بإحسان إلى يوم الدين.

التكفير بين السلفية وخصومها:

إن المنهج السلفي اليوم يُرمى عن قوسٍ واحدةٍ مِن جميع الاتجاهات؛ بدعوى مسئوليته عن الإرهاب منذ أن زج بوصف "السلفية الجهادية" كوصف توصَّف به الجماعات التي تفسر الجهاد تفسيرًا خاطئًا، ومِن ثَمَّ تستحل قتل المسلمين أو قتالهم، كما تستحل قتل الكفار المعاهدين والمستأمنين.

ولكن الذى يتتبع تاريخ الفكر التكفيري يجد أنه ظهر على أيدي الخوارج ثم ورثته منهم المعتزلة وأقاموا له شبهات عقلية سقيمة ظنوها حججًا وبراهين، وتحت زعم أن هذه حجج وبراهين عقلية ردوا المحكم من آيات الكتاب وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإجماع السلف على عدم تكفير مرتكب الكبيرة.

وإذا كان البعض يروج الآن للمناهج الاعتزالية ونحوها ممن يقدمون أهواءهم على الأدلة الشرعية تحت دعوى الانتصار للعقل مع أن العقل الصريح لا يمكن أن يعارض قط النقل الصحيح (ونعني بالعقل الصحيح: القضايا البدهية التي فطر الله كل العقلاء عليها، أو ما أنتجته العقول البشرية، ولكن قام البرهان السالم من المعارضة على صحتها).

إن الهرولة نحو الاعتزال وغيره من المناهج الكلامية في عصرنا؛ لأن أصولهم تسمح لهم عندما تقع عليهم الضغوط الغربية بإملاءات معينة في معطيات الحضارة الغربية أن يقبلوها على حساب النصوص كما فعل أسلافهم في قضايا الإيمان والكفر، وحكم مرتكب الكبيرة، وكذلك قضايا أسماء الله وصفاته، وغيرها من القضايا، ولكن قبل هذه الهرولة يجب أن يَعلم الجميع أن هذا المنهج الذي يُستدعى الآن؛ لتمرير معطيات الحضارة الغربية هو الذى مرر المناهج التكفيرية.

وما زالت الجماعات التكفيرية تستند في إحدى أهم قضاياها التي تتوصل بها إلى تكفير المسلمين وهي القول بتكفير المعين دون اعتبار للعذر بالجهل والتأويل حال وجوده إلى الطرح المعتزلي بأن ميثاق الفطرة يغني عن بلوغ دعوة الرسل.

كلمة حول الهرولة إلى الحضارة الغربية:

نحن نوقن أن الغرب وإن طرح الكثير ممَن الأطروحات حول حوار الحضارات وزمالتها وتعاونها؛ إلا أن تصرفاته على أرض الواقع تنطلق مِن قاعدة واحدة وهي: "صدام الحضارات"، وهذا قبل أن يكتبوه ويعلنوه ويطبقوه قد أخبرنا الله به فقال: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) (البقرة:120).

ونحن مع هذا لا نأخذ هذا الخبر القرآني ونخضعه لأهوائنا كما تفعل "داعش" مِن جهة، أو يفعله المتغربون مِن جهة أخرى، وإنما نصدق به ونوقن به، ونؤمن بالكتاب كله ومنه: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة:8)، ومنه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة:1).

وفي ذات الوقت نقول للذين يظنون أنهم متى وافقوا الغرب في بعض أطروحاته فسوف يعدل عن نظرية صدام الحضارات إلى تصالحها، فإن هذا وهم كبير، ثم إننا نفي بعهودنا مع مَن يعاهدنا ونحفظ له حقوقه، ولكن ليس واردًا أن يكون هناك مجالًا لكى يتدخل أحد في تفسير ديننا.

وقد قال الله -تعالى- مخاطبًا الأمة لما جادلهم المشركون في أنه لا فرق بين الميتة والذبيحة فقال: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) (الأنعام:121).

وقد رأينا في زماننا مَن يقول: دعوا الكتاب والسُّنة، وبدِّلوا أحكام المواريث موافقة للغرب في تصورهم، ثم رأينا مَن ينتسب إلى الحركة الإسلامية يصف مَن يدعو إلى ذلك بأنه ترك بلده على المحجة البيضاء، ولا ندري أيهما أكثر جرمًا: ذلك الداعي إلى تبديل الشريعة بأحكام الغرب أم ذلك الواصف له بأنه تركهم على المحجة البيضاء؟!

لماذا يتقربون إلى الغرب على حساب المرأة المسلمة؟!

ذكرنا أن خطبة الوداع قد اشتملت على أصول الوصايا وأهم القضايا التي أراد النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يؤكد عليها لأمته في آخر حياته -صلى الله عليه وسلم-.

وقد احتلت قضية حق المرأة مكانًا بارزًا في تلك الخطبة، فقال -صلى الله عليه وسلم-: (فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ؛ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ) (رواه مسلم).

وهذه الوصية لأن في المرأة ضعفًا فطريًّا قد يغري الرجل أن يظلمها؛ ولذلك قال -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ: الْيَتِيمِ، وَالْمَرْأَةِ) (رواه أحمد وابن ماجه، وحسنه الألباني).

ولذلك قدَّم النبي -صلى الله عليه وسلم- الأم على الأب في البر، بل كررها ثلاثًا قبله، وبالتالي فالشرع يعالج هذا الأمر بتقوية الوازع الإيماني أولًا ثم بإعطائها المجال للمطالبة بحقها القانوني ثانيًا.

والآن وقد توسع الغرب في الثاني مع الغلو فيه، ماذا تقول الإحصائيات عن جرائم العنف ضد المرأة داخل الأسرة وخارجها؟! بل وماذا تقول الاحصاءات عن جرائم الاغتصاب والاستغلال الجنسي حتى في صفوف الجيوش؟!

وفي بلاد المسلمين حينما ضعف الوازع الإيماني وُجد إجبار البنات على الزواج بمَن لا يرغبن، ووجد أكل ميراث الأخوات، ووجد كثير مِن الظلم!

ولو كان مَن يتكلم في ميراث البنت مدفوعًا بالشفقة على النساء؛ لسعى إلى إعطائها حقها الشرعي الذي يتحايل عليه الكثيرون بدلًا مِن السعي إلى إعطائها ما ليس لها شكليًّا، وهو ما يؤكد أن معظم مَن يخوض في هذا الأمر لا تعنيه النساء بقدر ما يعنيه موافقة الغرب.

ونحن نوقن في الجملة بتمام الشرع وكماله، ونوقن بأن الشرع حينما يجعل المرأة تأخذ نصف نصيب مَن هو في نفس درجة قرابتها مِن الرجال فإنها في المقابل تأخذ في كثيرٍ مِن الأحيان أكثر مِن نصيب الرجال الذين هم دونها في درجة القرابة.

ثم إننا إذا كنا نتكلم عن جنس النساء، فإن الأخ يسأل عن نفقة زوجته وإن كانت غنية، كما أن أخته إن بقيت بلا زوج فسيُلزم بنفقتها إذا نفد مالها مِن ميراث أو غيره، وإذا تزوجت بقيت ثروتها لها، ويلزم زوجها بنفقتها.

وهكذا تتكامل الشريعة وتتكامل أحكامها، وتحقق للناس متى التزموا بها الحياة الطبية في الدنيا؛ لكونها قائمة على شرع منزل مِن الخلاق العليم لا يمكن أن يتهم فيها تشريع منها أن منبعه الهوى أو مصلحة جنس على حساب الآخر، وهي شريعة تدعو للمودة والرحمة والتكافل والتعاون.

ثم هي طريق إلى الحياة الطيبة الأبدية في جنات رب البرية.

نسأل الله أن يجعلنا وإياكم مِن أهلها.

وتقبل الله منا ومنكم، وكل عام وأنتم بخير.

الدعوة السلفية بمصر

السبت 9 ذي الحجة 1440هـ

10 أغسطس 2019م