حدَث في شوّال

أرشيفية أرشيفية


 حدَث في شوّال: غزوة أحد في 3 هـ وغزوة الأحزاب "الخندق" 5 هــ وغزوة حنين 8 هــ ؛ وهذا في حد ذاته درس عظيم، فالنبي صلى الله عليه وسلم ينتقل من طاعة في رمضان -من قيام وصيام واعتكاف ودعاء وصدقة- إلى جهاد وبذل وتضحية؛ فالدين ليس فقط عبارة عن شعائر تقام في المسجد وانتهت القضية، بل هو معنى أشمل من ذلك، فيشمل نصرة الإسلام والعمل لدين الله.

  وكذلك حدَث في شوّال: زواج النبي صلى الله عليه وسلم من عائشة بنت الصِّدِّيق، وزواجه من زينب بنت جحش 5 هـ؛ للقضاء على عادة التبني وكذلك الطّيرة –التشاؤم- من الزواج في شهر شوال، فكان العرب يتشاءمون من الزواج فيه ويقولون إن المرأة التي تتزوج في شهر شوال يفرق بينها وبين زوجها وتفشل زيجتها وتطلق؛ فهدم النبي صلى الله عليه وسلم هذه العادة فكانت أم المؤمنين عائشة أحب نساءه اليه بعد خديجة.


 كانت الصحابيات يعلمن أولادهن الغزوة من غزوات النبي صلى الله عليه وسلم كما يعلمهن الآية من القرآن؛ لما في هذه السيرة من الدروس والعبر والعظات، والتربية الحركية والقدوة والأسوة الحسنة، والاستفادة من تجارب التاريخ والاستفادة منه في الحاضر.


  وسنقف اليوم وقفة مع إحدى هذه الغزوات لاستخراج بعض الدروس والعبر، وهي غزوة أحد 3 هـ، والتى نزل فيها 60 أية من سورة آل عمران تبدأ بقول الله تعالى: " وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" إلى قوله تعالى: " مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ".



  خطر النفاق وأثره على الأمة: المنافقون هم الطابور الخامس الذي يثير الهزيمة النفسية ويشكك ضعاف الإيمان ويفرق الأمة، وهم يوالون أعداء الله ويثبطون المؤمنين، وعبدُالله بن أُبيّ بن سلول رأس النفاق رجع بثلث الجيش في لحظة حرجة بعد أن رتب النبي صلى الله عليه وسلم صفوفه، وكادت بنوسلمة وبنو حارثة أن تفشلا وترجعا معه أيضا، وقالوا: " لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ"، وقالوا: "لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا"، قال عز وجل: "الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ".


  الشورى: استشار النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة، فنزل على رأي شباب الصحابة وخالف رأيه، وامتدح الله التزامه بهذا المبدأ؛ فهو درس لكل قائد ألا يستبد أو يستأثر بالرأي، قال تعالى: "وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ".


 المعصية سبب الهزيمة: وهذه سنة الله، حتى ولو كان الجيش فيه رسول الله وأبو بكر والمبشرون بالجنة فإن لله سنن لا تحابي أحدا ولا تجامل أحدا، ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا، وهي مخالفة 40 رجل من الرماة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بعدم النزول من على جبل الرماة من جيش قوامه قرابة 700 رجل، فمعصية واحدة من قرابة 5% من الجيش كانت سبب الهزيمة، وكذلك النزاع الذي يؤدي إلى الفشل، وكذلك حب الدنيا، قال تعالى: "وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ" وقال: "أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ"، فما نزل بلاء إلا بذنب وما رفع إلا بتوبة، قال تعالى: "وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ".


 

 فضل الشهادة فى سبيل الله:  قال تعالى: "وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ "؛ فأرواح الشهداء في حواصل طير خضر، يسرحون في الجنة، وللشهيد عند موته ست خصال: فيغفر له عند أول دفعة من دمه، ويؤمن من عذاب القبر، ويؤمن من الفزع الأكبر، ويلبس تاج الوقار، ويزوج بسبعين من الحور العين، ويشفع في سبعين من أهله، ويرى مقعده من الجنة.

 

فقتل سبعون من أفاضل الصحابة، وهم من أفضل الشهداء، منهم حمزة بن عبدالمطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم أسد الله سيد الشهداء، ومنهم عمرو بن الجموح الأعرج الذي لم يمنعه عذره ومرضه من الجهاد وقال: "أود أن أطأ بعرجتي الجنة"، ومنهم حنظلة بن عامر الذي ترك زوجَه ليلة زفافه وخرج ملبيا نداء الجهاد ولم يغتسل من الجنابة فغسّلته الملائكة مابين السماء والأرض، ومنهم أنس بن النضر الذي نزل فيه وفي أمثاله قوله تعالى: "مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا"، ومنهم عبدالله بن جحش، واليمان والد حذيفة، وعبدالله بن حرام والد جابر، ومنهم سعد بن الربيع، ومصعب بن عمير حامل لواء وراية المسلمين يوم أُحُد أول سفير في الإسلام الذي فتح المدينة بالقرآن فهو أحد شباب الصحابة الذين ضحّوا بالدنيا والترف من أجل الشهادة ونصرة الدين، ضربَه ابن قمئة فقطع يده اليمنى ثم حمل الراية باليسرى فقطع يده اليسرى ثم حمل الراية بعضُديه فضربه بالرمح في صدره فنفذ من ظهره، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يدفن الاثنين والثلاثة في قبر واحد ويقدم أيّهم أكثر أخذا وحفظا من كتاب الله، فالقرآن رفعة في الدنيا والآخرة "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين".



وهناك عشرات الدروس والعبر غير التي ذكرناها، فليس هذا على سبيل الحصر، ولكن في ذلك التذكرة بأهمية مراجعة ومدارسة غزوات وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم بين الشباب في المساجد، لإحياء هذه المعاني التي ضاعت ونسيناها، لعل الله أن ينفعنا ونعمل بها، ونتأسى ونقتدي بهؤلاء الصحابة الأفذاذ الأبطال أمثال أبي دجانة وطلحة بن عبدالله وغيرهم ..

اللهم ارض عن الصحابة، واجمعنا بهم في الفردوس الأعلى مع النبي صلى الله عليه وسلم، وارزقنا الشهادة في سبيلك.. اللهم آمين.