نكشف بالمستندات إهدار مليار جنيه في صفقة بيع "أسمنت بني سويف"

نكشف بالمستندات إهدار مليار جنيه في صفقة بيع "أسمنت بني سويف"

بالمستندات.. نواصل مسلسل كشف الفساد
شراء الأسهم كلمة السر في خصخصة القطاع العام
إهدار أكثر من مليار جنيه في صفقة "لافارج" التي أطاحت بـ"أسمنت بني سويف"
القابضة للتعدين: مبارك اتصل هاتفيا من باريس بـ"الجنزوري" الثالثة فجرًا لينهي الصفقة لصالح الشركة الفرنسية
النيابة: ما حدث جريمة وإهدار للمال العام وإعادة التحقيقات ضرورة
طوكيو: صممنا الشركة بأفضل التكنولوجيا العالمية.. ونادي باريس أدى دورًا خفيًا في إتمام الصفقة



تحقيق- طارق بهجات


تواصل "الفتح" جهودها باستمرار في كشف ملفات الفساد، وهذه المرة مع صفقة من العيار الثقيل تسببت في ضياع أكثر من مليار جنيه على الدولة، ملف شركة "أسمنت بني سويف" التي أُسست بموجب قرار قطاع وزير الأعمال رقم 76 لعام 1993 بتاريخ 19/10من العام نفسه كشركة مملوكة بالكامل لقطاع الأعمال الصادر برقم 203 لسنة 1991 ولائحته التنفيذية وقيدت في السجل التجاري برقم 30169 بني سويف بتاريخ 3/1/1994، بخط إنتاج مليون طن سنويًا.

بلغ رأس مال الشركة في بداية التأسيس 330 مليون جنيه موزعة على 330 مليون سهم بقيمة اسمية 10جنيهات للسهم الواحد.


الباب الخلفي

وافقت اللجنة الوزارية لقطاع الأعمال على توسيع قاعدة الملكية -بحسب برنامج الخصخصة- أثناء تولي الدكتور كمال الجنزوري رئاسة مجلس الوزارء، في اجتماع بتاريخ 3/7/99 كان من نتائجه استمرار التفاوض مع شركة "لافارج" الفرنسية بعد قبول الأخيرة خطاب الضمان غير المشروط لـ "القرضين الثاني والثالث من منحة الحكومة اليابانية" بموافقة اللجنة بالإجماع على استبعاد القرض الياباني من ميزانية شركة أسمنت بني سويف، مع إعفائها وشركة التعدين والحراريات من التزاماتهما بشأن أقساط القرض وفوائدة وكذلك أية أعباء أخرى إن وجدت.

مع عدم تحميل شركة التعدين والحراريات وكذلك أسمنت بني سويف بعد بيعهما لشركة "لافارج" الفرنسية بأي التزامات ضريبية قد تستحق نتيجة رفع القرض الأول المستحق لليابان من ميزانية الشركة؛ وبالتالي تمت الموافقة على توزيع الأرباح للعام المالي 98/99 مناصفة مع شركة "لافارج".

كما تمت الموافقة أيضا على استمرارا التراخيص والموافقات الخاصة في المحاجر وخامات التصنيع لتكون تحت إمرة الشركة الفرنسية، وحق استغلال مياه النيل في التصنيع بعد بيع الشركة.

وكشفت المستندات التي حصلت "الفتح" عليها مؤخرا: اتخاذ قرارات من لجنة الخصخصة -التي هي في الحقيقة إحدى حلقات تفريغ الوطن من مقوماته الاقتصادية وقدراته الإنتاجية وتجفيف منابع نهضته ورُقِيّه- بِيْعَ بموجبها 76% من أسهم الشركة التي تعادل نحو 25080.000 سهم لصالح شركة "فينانسير لافارج" بتاريخ 12/7/1999 بسعر شراء 16.15جنيها للسهم الواحد، فيصبح إجمالي سعر الشراء يساوي 33000000سهم x 16.15جنيه للسهم = (532950000 فقط خمسمائة واثنين وثلاثين مليونا وتسعمائة وخمسون ألف جنيه فقط لاغير). في حين كانت الشركة من تاريخ البيع -وفقًا لميزانيتها وتقارير الجهاز المركزي للمحاسبات- قد بلغت استثماراتها (مليار وخمسمائة وخمسة عشر مليون وستمائة وخمسة وعشرون ألف وثلاثمائة وخمسة وسبعون جنيها لاغير)

أي أن البيع تم بنحو 33% فقط من قيمتها الحقيقية، كما أن لجنة البت في العرض المقدم من الشركة -كما هو وارد في مذكرة هيئة النيابة الإدارية في القضية رقم 79 لسنة 2011 رئاسة الهيئة- كانت قد قررت العرض على مجلس إدارة الشركة القابضة لعدم وصول جميع العروض المقدمة في الميزانية للسعر الأساسي للتقديم وبتاريخ 13/1999، وقرر مجلس الإدارة العرض على الجمعية غير العادية للشركة القابضة برئاسة وزير قطاع الأعمال وقتئذ؛ فقررت بذات التاريخ الموافقة على البيع إلى "لافارج" وفقًا للعرض المقدم بتاريخ 14/1/99، فوافقت اللجنة الوزارية للخصخصة على العرض مع التفاوض مع الشركة الفرنسية لشراء 19% من رأس المال.

وكشفت المستندات أن "م.أ" مدير إدارة الاستثمار وعضو لجنة البت في مزايدة بيع الشركة آنذاك قال أن الشركة المذكورة أنشئت بموجب 3 قروض ممنوحة من الحكومة اليابانية بإجمالي 37مليار ين ياباني، وأعفت الحكومة المصرية من سداد القرض الأول وتحملت "لافارج" الفرنسية سداد القرضين الثاني والثالث بإجمالي 25مليار ين ياباني (ما يعني أن الحكومة المصرية أهدت الشركة الفرنسية على طبق من ذهب ما قيمته 12مليار ين ياباني)، والأدهى من ذلك كما هو وارد في قرار الخصخصة وفقًا لما هو ثابت بالمستندات في البند"1-2" نص على عدم تحميل شركة التعدين والحراريات وشركة أسمنت بني سويف بعد بيعها إلى شركة "لافارج" الفرنسية أي التزامات ضريبية قد تستحق نتيجة رفع القرض الأول المستحق لدولة اليابان من ميزانية شركة أسمنت بني سويف.


فساد مبارك

وبتتبع التحقيقات، ووفقا للمستندات التي حصلنا عليها؛ وجدنا تأكيدات من عدد كبير من أساتذة الجامعات المصرية وعدد من الخبراء من بينهم الدكتور "س.ع" أستاذ الاقتصاد المتفرغ بجامعة حلوان وعضو مجلس إدارة الشركة القابضة للتعدين والحراريات، فجرت قضية من العيار الثقيل، إذ ظهر أن الرئيس الأسبق حسني مبارك اتصل هاتفيًا من فرنسا بالدكتور كمال الجنزوري رئيس الوزراء وقتئذ وأمره بإنهاء إجراءات البيع لصالح شركة "لافارج" الفرنسية بالسعر المقدم منها؛ فوقِّع عقد البيع في تمام الساعة 2 بعد منتصف الليل في مكتب رئيس الوزراء، وتلا ذلك استكمال باقي الإجراءات الشكلية أمام الرأي العام، وتؤكد المستندات أن الشركة الفرنسية أصرت على تقسيم الأرباح، وهو ما حدث.
إهدار 1.4مليار جنيه

ويستطرد الدكتور "س.ع" بقوله إن تقييم الشركة حدث بمعرفة المكتب الاستشاري ولجنة التقييم بمبلغ 1.4مليار جنيه؛ وترتب على البيع توقف الحكومة اليابانية عن تقديم المساعدات الاقتصادية لمصر بعد تكرار ما حدث مع شركة حديد الدخيلة، وتراجعت الحكومة اليابانية عن موافقتها السابقة في نادي باريس على تسوية ديون مصر وتخفيضها لـ50% ، وقررت تحصيلها كاملة بعد انتفاء الغرض من منحها للشركتين.
واختتم "س.ع" حديثه بأن الدكتور مختار خطاب وزير قطاع الأعمال الأسبق، والمهندس محمد إبراهيم سليمان وزير الإسكان الأسبق، وافقا على إعفاء الشركة الفرنسية من سداد 13مليون جنيه لهيئة المجتمعات العمرانية كفرق ثمن مستحق (فقد قُيم سعر المتر فيها بـ60جنيهًا والحقيقة أن مساحة الأرض المباعة هي 478 فدان و6قيراط و9أسهم بيعت بسعر 2جنيه للمتر الواحد)!

من جانبه يؤكد "م.ع" مدير عام بإحدى شركات حليج الأقطان بأن اللجنة الوزارية للخصخصة ورئيس مجلس إدارة الشركة القابضة للتعدين والحراريات وافقوا على بيع الشركة بأقل من قيمتها الحقيقية، كما وافقوا أيضًا على توزيع الأرباح وإسقاط حق هيئة المجتمعات العمرانية دون وجه حق!

أما "ط.أ" فأكد في تحقيقات النيابة أن الشركة الفرنسية تقدمت بخطاب ضمان لصالح البنك المركزي المصري مسحوب على بنك "BNB"بفرنسا تنفيذا لقرارات اللجنة الوزارية للخصخصة في جلسة 3/7/99 التي تكونت بعدد من الوزراء كان على رأسهم الدكتور عاطف عبيد وزير قطاع الأعمال آنئذ، وطلعت حماد وزير شئون مجلس الوزراء والمتابعة ، والدكتور مختار خطاب مستشار وزير قطاع الأعمال، والدكتور شوقي خاطر رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، وإسماعيل حسن محافظ البنك المركزي وغيرهم من الوزارء.

وأيده في ذلك الدكتور "س.ح .م " الأستاذ المتفرغ بكلية الهندسة جامعة عين شمس، مضيفا: أن الشركة المباعة كانت الوحيدة في مصر التي تمتلك طاقة تصديرية وتكنولوجيا صديقة للبيئة وتنتج مليون طن سنويًا؛ وبالتالي فهي أحد أهم شركات إنتاج الأسمنت في العالم ويتوافر لديها أجود أنواع الطفلة والمادة الخام المستخدمة في تصنيع الأسمنت والحراريات.

وأضافت المستندات أنه في تاريخ البيع وفقا لميزانية الشركة في 306 لعام 1998 بلغ المخزون السلعي نحو 167861184جنيه بالإضافة لودائع بنكية بلغت 90022558، بجانب الحصول على 50% من أرباح الشركة عن العام المنتهي وقبل الشراء بمبلغ 25 مليون جنيه نصيب الشركة المشترية.

ضحايا الخصخصة

وتؤكد المستندات أن العقد المبرم بين الطرفين يُلزم الشركة الفرنسية بالاحتفاظ بالعمالة المسجلة في كشوف المرتبات البالغ عددهم 730 عاملا، لكن الشركة تخلصت من 452عاملا بإجبارهم على الخروج للمعاش المبكر.

وإمعانا في الفساد المستشري فقد صدر حكم لصالح العاملين من القضاء الإداري دائرة المنازعات الاقتصادية والاستثمار في 15/2/2014، ينص على عودة العاملين وتسوية مستحقاتهم المالية، الصادر في عهد المستشار عدلي منصور رئيس الجمهورية السابق، والذي يوضح أن اتحاد العاملين له حصة في الشركة تقدر بمليون و650 ألف سهم؛ إذ يوجب بمقتضاه الطعن على حكم البيع كونهم يحملون صفة اتحاد المساهمين والعاملين المالكين، ويُعدّون طرفًا من أطراف التعاقد لهم صفة الطعن على بيع الشركة!

وأكدت النيابة العامة في تحقيقاتها موافقة المستشارين محمد إسماعيل الوكيل العام، وعصام المنشاوي مدير المكتب الفني، وسامح كمال مدير المكتب الفني - على إعادة القضية إلى النيابة مرة ثانية في الواقعة ذاتها، فضلا عن انحسار ولاية النيابة الإدارية على تحقيق الواقعة أمام المستشار الدكتور تيمور مصطفى كامل رئيس هيئة النيابة الإدارية، وأوصوا جميعًا بضرورة إعادة أوراق قضية أسمنت بني سويف إلى التحقيقات مرة ثانية لإعمال شئونها من الناحية الجنائية بوصفها صاحبة الدعوى العمومية لانطواء الأوراق على جريمتي الإضرار بالمال العام المؤيدة بالمادة 116مكرر من قانون العقوبات، وتسهيل الاستيلاء على المال العام وفقا للمادة 113 عقوبات وذلك طبقا للتحقيقات التي تجريها النيابة العامة في ذات الخصوص بالقضية رقم 384لسنة 2011 حصر أموال عامة، وكذلك التوصية باتخاذ الإجراءات المقررة قانونا حيال شركة "لافارج" حفاظا على المال العام.



نهب منظم

بدوره أكد المستشار حسن حسنين المحامي بالنقض، أن برنامج الخصخصة شابه الكثير من الغموض وانعدام الشفافية وهو ما أدى إلى إهدار المال العام وتسبب في إضاعة الكثير من المليارات على الدولة لصالح بعض المستثمرين، وبناء على ما تقدم من معلومات ومستندات مشفوعة بأقوال جهة النيابة في التحقيقات في قضية بيع أسمنت بني سويف لشركة "فينانسير لافارج الفرنسية" الكائنة بـ 61 شارع دى بيل فوى باريس والمدعومة من نادي باريس الدولي في قضية يكتنفها الغموض؛ الأمر الذي يحتاج سرعة طرح الموضوع أمام جهات التحقيق؛ وبالتالي بطلان جميع القرارات التي صدرت بشأنها بيع الشركة والتي تمثلت في العقد المؤرخ 16/7/97 ببيع 76% من أسهم شركة أسمنت بني سويف للشريك الأجنبي، وكذلك العقد المؤرخ 6/1/2000 ببيع نسبة 19% من باقي الأسهم لصالح نفس الشركة المذكورة "لافارج"، وكذلك العقد المؤرخ بتاريخ 14/4/2004 ببيع حصة الـ5% المملوكة لاتحاد العاملين؛ وبناء على ما تقدم يجب إعادة العاملين والمتعاقدين إلى الحالة التي كانوا عليها قبل إتمام الصفقة وصرف جميع مستحقاتهم المالية وإلزام المدعى عليهم بالمصروفات.