الإمام البخاري وصحيحه الجامع (1)

الإمام البخاري وصحيحه الجامع (1)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

تمهيد:

لقد كرَّم الله أمة الإسلام بحفظ مصادر استدلالها، قال الله -تعالى-: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:9)، وقد فُسِر الذكر بأنه: قرآن وسنة، فقد قدَّر الله أن تُصان السُّنة، وتُحفظ كما حفظ القرآن؛ لأنها هي المفسِّرة له، والمفصلة لمجملة.

لذلك فقد سعى المغرضون للإسلام في كل حين إلى التقليل مِن شأن السنة والتشكيك في ثبوتها ودلالاتها، وأثاروا ضدها الشبهات التي دُحرت ورُد عليها منذ ظهورها، ولكن بين الحين والآخر يأتي مَن يثير الشبهات للحط مِن السنة، أو للحصول على الشهرة الزائفة!

فالناظر في الطعون المعاصرة في السُّنة النبوية يجد أنَّ أكثرها مُوَجَّه نحو صحيح البخاري، والسبب في ذلك: أنَّ الطاعنين عَرَفوا مكانة الجامع الصحيح في نفوس المسلمين؛ فأرادوا إسقاط هيبته؛ لأن في ذلك إسقاطًا لهيبة الكتب الأخرى دون عناء، والنتيجة هدم السُّنة كلها.

وإذا كانت هذه سلسلة تتناول الحديث عن الإمام البخاري وصحيحه الجامع، فيناسِب المقام أن تُقَدَّم بمقدمة عن فضل طلب الحديث وعلومه.

إن دراسة الحديث لها شرف؛ لأن مادته كلام سيد الخلق محمد -صلى الله عليه وسلم- وأفعاله وأحواله، وهو أمر شريف عظيم؛ ولذا كان هذا العلم شريفًا عظيمًا.

- أهل الحديث هم أولى الناس بوصف النبي -صلى الله عليه وسلم- في قوله: (لَنْ يَزَالَ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى النَّاسِ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ) (متفق عليه).

وقد قال الإمام أحمد -رحمه الله-: "إن لم يكونوا أهل الحديث؛ فلا أدري مَن هم؟!".

- حاجة كل فنون العلم لعلم الحديث: قال ابن الصلاح كما في خطبة كتابه "علوم الحديث": "هذا وإن علم الحديث مِن أفضل العلوم الفاضلة، وأنفع الفنون النافعة، يحبه ذكور الرجال وفحولتُهُم، ويُعْنى به محقِّقُو العلماء وكَمَلتُهم، ولا يكرهه من الناس إلا رُذالتهم وسَفِلتهم، وهو مِن أكثر العلوم تولجًا في فنونها، لا سيما الفقه الذي هو إنسان عيونها، ولذلك كثر غلط العاطلين منه مِن مصنفي الفقهاء، وظهر الخلل في كلام المخلين به من العلماء" (انتهى).

- أهل الحديث هم العقبة الكؤود أمام كل بدعة؛ فلولاهم لعمت البدع، وشاعت الشبهات؛ ولذلك قال الحاكم النيسابوري -رحمه الله- في مقدمة كتابه: "معرفة علوم الحديث": "أما بعد: فإني لما رأيت البدع في زماننا كثرت، ومعرفة الناس بأصول السنن قلَّتْ، مع إمعانهم في كتابة الأخبار، وكثرة طلبها على الإهمال والإغفال؛ دعاني ذلك إلى تصنيف كتابٍ خفيفٍ يشتمل على ذكر أنواع علوم الحديث، إلخ".

فتبيَّن مِن ذلك: أن علم الحديث خير رادع لكل مبتدع في الدين.

وقال ابن المبارك -رحمه الله-: "الإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ، لَوْلا الإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ"، وقال أيضًا: "بيننا وبين القوم القوائم" -يعني الإسناد-.

وقال الثوري -رحمه الله-: "الإِسْنَادُ سِلاحُ الْمُؤْمِنِ".

وقال الإمام أحمد -رحمه الله-: "ما أعلمُ الناسَ اليوم في زمان أحوج منهم إلى طلب الحديث مِن هذا الزمان. قيل له: ولِمَ؟ قال: ظهرت بدع؛ فمَن لم يكن عنده حديث وقع فيها".

- أهل الحديث هم أصحاب الوجوه النضرة لدعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- لهم بذلك، فعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا وَحَفِظَهَا وَبَلَّغَهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني).

ومِن أهل الحديث الكبار، بل مِن الأئمة الحفاظ: محمد بن إسماعيل البخاري صاحب "الصحيح"، وقد اتفق علماء الأمة أن "صحيحه"، هو أصحُّ كتاب بعد كتاب الله، وإذا كانت السنة هي المصدر الثاني للتشريع، فإن عمدة السنة النبوية الصحيحان: "البخاري ومسلم"؛ لذا تجد كثيرًا ما إذا أراد مبتدع أن ينالَ مِن السنة؛ وجَّه سهامه إلى "صحيح البخاري"؛ يشكك في صحة أحاديثه، أو يطعن في عدالة رجاله، ويدعي معارضة نصوصه لصريح القرآن؛ وذلك لسوء فهمه للحديث أو القرآن أو كليهما.

وفيما يأتي مِن مقالاتٍ -إن شاء الله- نبيِّن مَن هو البخاري؟ وما صحيحه؟ وما أشهر الشبهات التي تثار حوله، والرد عليها؟