فصل فيما أخبر الله به في القرآن من ذكر الفرج بعد البؤس والامتحان

فصل فيما أخبر الله به في القرآن من ذكر الفرج بعد البؤس والامتحان

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد قال الله -تعالى- وهو أصدق القائلين وهو الحق المبين: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا . إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) (الشرح:5-6).

قال القاسمي -رحمه الله-: "(فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا): إشارة إلى أن الذي منحه -صلوات الله عليه- من شرح الصدر، ووضع الوزر، ورفع الذكر، بعد ضيق الأمر واستحكام حلقات الكرب في أول السير، كان على ما جرت به سنته -تعالى- في هذا النوع من الخليقة، وهو أن مع العسر يسرًا؛ ولهذا وصل العبارة بالفاء التي لبيان السبب، و (الـ) في (الْعُسْرِ) للاستغراق، ولكنه استغرق بالمعهود عند المخاطبين من أفراده أو أنواعه، فهو العسر الذي يعرض من الفقر والضعف، وجهل الصديق، وقوة العدو، وقلة الوسائل إلى المطلوب، ونحو ذلك مما هو معهود معروف، فهذه الأنواع من العسر مهما اشتدت، وكانت النفس حريصة على الخروج منها، طالبة لكشف شدتها، واستعملت من وسائل الفكر والنظر والعمل ما مِن شأنه أن يعد لذلك في معروف العقل، واعتصمت بعد ذلك بالتوكل على الله، حتى لا تضعفها الخيبة لأول مرة، ولا يفسخ عزيمتها ما تلاقيه عند الصدمة الأولى، فلا ريب في أن النفس تخرج منها ظافرة.

وقد كان هذا حال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فإن ضيق الأمر عليه كان يحمله على الفكر والنظر، حتى أوتي من ذلك ما زعزع أركان الأكاسرة والقياصرة، وترك منه لأمته ما تمتعت به أعصارًا طوالًا.

لطيفة: تنكير (يُسْرًا) للتعظيم، والمراد يسر عظيم، وهو يسر الدارين.

وفي كلمة (مَعَ) إشارة بغاية سرعة مجيء اليسر، كأنه مقارن للعسر فهو استعارة، شبه التقارب بالتقارن، فاستعير لفظ: (مَعَ) لمعنى (بعد)، وقوله: (إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) تكرير للتأكيد، أو عِدةُ مستأنفة، بأن العسر مشفوع بيسر آخر، كثواب الآخرة وعليه أثر: "لن يغلب عسر يسرين"، فإن المعرَّف إذا أُعيد يكون الثاني عين الأول، سواءٌ كان معهودًا أو جنسًا، وأما المنكَّر فيحتمل أن يراد بالثاني فرد مغاير لما أريد بالأول" (محاسن التأويل للقاسمي).

وروى الطبري بإسناده عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: "لو دخل العسر في جحر لجاء اليسر حتى يدخل عليه لأن الله يقول: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا)" (تفسير الطبري).

وقال -تعالى-: (سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) (الطلاق:7).

قال ابن كثير -رحمه الله-: "وعد منه -تعالى-، ووعده حق لا يخلفه".

وقال -تعالى-: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة:259).

قال التنوخي: "فأخبر الله -تعالى- أن الذي مر على قرية استبعد أن يكشف الله عنها وعن أهلها البلاء؛ لقوله: (أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ) إلى آخر القصة، فلا شدة أشد من الموت والخراب، ولا فرج أفرج من الحياة والعمارة، فأعلمه الله -تعالى- بما فعله به، أنه لا يجب أن يستبعد فرجًا من الله وصنعًا، كما عمل به، وأنه يحيي القرية وأهلها كما أحياه، فأراه بذلك آياته ومواقع صنعه.

وروي عن الحسن البصري أنه قال: عجبًا لمكروب غفل عن خمس؛ وقد عرف ما جعل الله لمن قالهن: قوله -تعالى-: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) (البقرة:155-157).

وقوله -تعالى-: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ . فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ) (آل عمران:173-174).

وقوله: (وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ . فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا) (غافر:44-45)، وقوله: (وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ . فَآَتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران:147-148).

ورُوي عن الحسن -رحمه الله- أيضًا أنه قال: "مَن لزم قراءة هذه الآيات في الشدائد كشفها الله عنه؛ لأنه قد وعد وحكم فيهن بما جعله لمن قالهن، وحكمه لا يبطل، ووعده لا يخلف".