ركائز الحياة السعيدة

ركائز الحياة السعيدة ركائز الحياة السعيدة

كتبه/ حسن حسونة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالكل يتمني ويطمع في الحياة السعيدة التي ينعم بها وتعينه على أمور الآخرة؛ فإن مَن استقر حاله كان أدعى للقيام بما أوجبه الله عليه في جانب العبادة.

وقد حدد النبي -صلى الله عليه وسلم- الركائز الثلاثة التي تقوم عليها الحياة السعيدة في الحديث الذي أخرجه الترمذي في سننه بسندٍ حسنٍ عن عبيد الله بن مِحْصَن الخطمي عن أبيه: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا) أي: جمعت له بأكملها، وتحصلت له الدنيا التي يتصارع ويقتتل لها ويتقاطع لأجلها الناس.

الركيزة الأولى: (مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ): يعني آمنًا في أهله، له بيت يأوي إليه، له وطن يجنح له، آمن مِن المخاوف على نفسه وأهله وأولاده وماله، فثلث الدنيا في الأمن والأمان، فهي نعمة لا يقدِّر قدرها إلا مَن حرم إياها؛ انظر إلى مَن حولك وصوب ببصرك إلى سوريا والعراق وليبيا واليمن والسودان، أين الأمن والأمان؟!

وصدق مَن قال: لو كان الوطن رصيفًا تأوي إليه، وتنام عليه؛ لوجب عليك المحافظة على الرصيف، وإلا أين ستنام؟!

قد يعبث الناس بنعم الله فتذهب عنهم، وتنسحب من تحت أقدامهم، قال الله -تعالى-: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) (النحل:112)، واقع الحال من الآية: قرية آمنة مطمئنة، الرزق الرغد يأتيها، فعبثوا بالنعم فتبدلت وتحولت، فنعمة الامن تتحقق بالإيمان والعمل الصالح (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (الأنعام:82)، وتذهب بالكفر والشرك والمعاصي.

كان مِن دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي، وَآمِنْ رَوْعَاتِي) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

فثلث نعم الدنيا في الأمن والأمان، فمَن رزقه الله ذلك؛ فليحافظ على هذه النعمة؛ كي لا يتحسر ويتندم في وقتٍ لا ينفع فيه الندم، ولات حين مناص.

أما الركيزة الثانية: (مُعَافًى فِي جَسَدِهِ): أي أن يسلمك الله مِن الأمراض والأوجاع والأسقام، فمَن رُزق الصحة؛ فقد ملك نعم الثلث الثاني من الدنيا؛ وإلا فكثير من الناس لا يعرف قدر هذه النعمة فلا يعطها حقها من الشكر، ولا يعرف قدرها إلا إذا تعب أو مرض!

فلينظر المعافى إلى المريض، وليقل: "الحمد لله الذي عافاني"، ويدعو بالشفاء لمرضى المسلمين، روى البخاري عن ابن عباس مرفوعًا: (نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ، وَالفَرَاغُ)، والغبن هو: النقص في الثمن او هو قلة الفطنة لأهمية الشيء، وهذا ما نراه في أحوال كثيرٍ مِن الناس ممَن يضيعون أوقاتهم سدي وهملًا في القيل والقال، وعلي المقاهي والشاشات والمباريات والمسلسلات، مغبون حاله مع وقته وآخر مغبون مع صحته؛ ضيعها في التدخين، والمخدرات والمسكرات والخمور -عياذًا بالله-، وهو يعلم تمام العلم تأثيرها وضررها على صحته وعافيته!

وكان مِن دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي بَدَنِي، اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي سَمْعِي، اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي بَصَرِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني).

فعافية البدن لا تقدر بمال، ولا قدر لها بدون الإيمان بالله العلي العظيم؛ وإلا فقد أخبر الله عن الكفرة: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ) (محمد:12)، وأخبر عن المنافقين: (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ) (المنافقون:4).

فمَن رزق الأمن، والعافية في البدن؛ فقد حاز ثلثي نعم الدنيا، وبقيت له الثالثة.

الركيزة الثالثة: (عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ): القوت وسط بين الغنى المطغي الذي يورث الكبر وبين الفقر المنسي الذي يورث الكفر، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يستعيذ منهما جميعًا؛ مِن الغنى المطغي والفقر المنسي، ويستعيذ بالله من الجوع، ويسأل الله كما عند الإمام مسلم: (اللهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا) (متفق عليه).  

ولا يفهم مِن كلامنا ذم الغنى مطلقًا أو الفقر مطلقًا؛ فكلاهما حالان يحتاج الفقير مع فقره الصبر، والغني مع غناه الشكر، فالله يعطي مَن يشاء، ويمنع مَن يشاء (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ) (الشورى:27).

سئل سفيان الثوري -رحمه الله-: أيهما أفضل: الغني الشاكر أم الفقير الصابر؟ فقال: "كلاهما سواء! لأن الله -تعالى- أثنى على عبدين أحدهما صابر، والآخر شاكر ثناءً واحدًا، فقال في وصف أيوب الذي مسّه الضر: (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) (ص:44)، وقال في وصف سليمان الذي آتاه الله الملك والغنى: (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) (ص:30)".

فيا مَن سترك الله وعندك قوت يومك، فأنت في نعمة تعدل ثلث نعم الدنيا، وإذا أردت أن تعرف قدرها؛ فانظر حال البائسين الجائعين اللاجئين العالقين مِن حولك؛ لتقدر نعمة الله عليك حق قدرها، جاء رجل إلى بعض الصالحين يشتكي له الفقر، فقال له: "ألك مسكن؟ قال: نعم. قال: ألك زوجة؟ قال: نعم. قال: عندك قوت يومك؟ قال: نعم. قال: أنت مِن الأغنياء. قال الرجل: وعندي خادم. قال: أنت إذًا مِن الملوك!".

فهذا حديث نعض عليه بالنواجذ حدد فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- الركائز الثلاث لحيازة الدنيا، وجاء البعض في هذه الأيام بتصفية حساباتهم الخاصة علي حساب العامة مِن الناس يريدون أن يعبثوا بأمنهم وأقواتهم وعافيتهم؛ فيجب على المسلم أن يعي ويفهم ما يُحاك حوله ويدبر بليل لبلادنا، فلا ينجرف تحت الشعارات الكاذبة؛ إنما هي فتن وتدابير ومكر مِن أعداء الأمة، ينجرف وراءها مَن يعلم ومَن لا يعلم؛ فاحذر أخي أن تكون أداة هدم لبلدك ومجتمعك وأمتك، ولا يزال الأمل وتحقيقه يكون بالعمل البنَّاء النافع.

أسأل الله أن يرفع عن بلادنا كل مكروه وسوء، ويرد كيد الكائدين.