لماذا استباحوه؟!

لماذا استباحوه؟! لماذا استباحوه؟!

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فإن انتشار الكبائر في مجتمع المسلمين مِن أعظم أسباب زوال أمنهم، ومِن أعظم هذه الكبائر: استباحة الدم المحرم، فإنها الكبيرة العظمى والخطب الجلل، الذي يستجلب لفاعله عقوبات متلاحقات في الدنيا والآخرة، قال -تعالى-: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) (النساء:93)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ اشْتَرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ لَأَكَبَّهُمُ اللَّهُ فِي النَّارِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (قَتْلُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ زَوَالِ الدُّنْيَا) (رواه النسائي، وصححه الألباني، وأصله عند مسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لَنْ يَزَالَ المُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ، مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا) (رواه البخاري)، وقال ابن -عمر رضي الله عنه-: "مِن ورطات الأمور التي لا مخرج لمَن أوقع نفسه فيها: سفك الدم الحرام بغير حله".

وقال -صلى الله عليه وسلم-: (كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَهُ، إِلَّا الرَّجُلُ يَمُوتُ كَافِرًا، أَوِ الرَّجُلُ يَقْتُلُ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني).

وغير ذلك من المفجعات على هذا الجرم الأعظم، فما تجرأ العباد على اقتحام المهالك، ووصد أبواب الرحمة دونهم إلا بأسباب عامة أو خاصة:

أولًا: الأسباب العامة:

- تخلف العدل والشرع الذي نزل من السماء؛ ليقيم المجتمعات على الحقوق، فإذا تجاوز متجاوز، أو اعتدى ظالم، علم بأنه معاقب مآخذ بجريمته، قال -تعالى-: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:179)، وقال -صلى الله عليه وسلم- للشفيع في الحد حتى يسقط: (أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ) ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ، ثُمَّ قَالَ: (إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا) (متفق عليه)، فليأمن ذاك المجتمع الذي بني على هذه الأصول، وبؤسًا وشقاوة لمن تخلفوا عن حكم الله؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: (وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ، إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ) (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني).

- إبراز الساقطين كقدوات: خاصة مَن أظهر الجريمة تحت أي مسمى، وأشهر لافتة تطوي الجرم تحتها في واقعنا الفن، حتى كاد هؤلاء أن يصوروا واقعًا بئيسًا أنه هو الواقع الحقيقي، فما أن ينتهي عرض هذا المسلسل أو الفيلم حتى تسمع قصة قتل مطابقة لهذا المشخصاتي، ثم تفجع ببروزه وتكريمه، فتعظم الفاجعة وتنتشر الجرائم تشبهًا بالبارز القدوة السوء! وفي نفس الوقت يسقط أهل الصلاح والعلم والدعوة، حتى يحل هؤلاء في الواجهة!

فكم من القصص التي لا حصر لها الواقعية للجرائم التي وقعت على إثر خطط أفلام عرضت، فمتى يفيق هؤلاء؟! أم عن عمد أرادوها؟!

فليحذر هؤلاء عاقبة نشر الجريمة والفواحش في المسلمين فالخطب شديد، قال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (النور:19).

- إلف الجرائم واستصغارها: وهذا يحدث عمدًا بتسميتها بغير مسمياتها الشرعية، والحكم عليها بالتهوين من شأنها، كمَن يطلقون على مجرم بلغ الثامنة عشر من عمره طفلاً نزولًا على شرع الغرب، وقد ذبح عمدًا نفسًا معصومة، أو يحدث الإلف بكثرة نشر الوقائع حتى يرققها في أنفس الناس، سواء درى أو لم يدرِ، فالأصل عدم ذلك، فالواقعة لا تعامل بمعاملة الظاهرة، والحالة لا تساوي الواقع.

ثانيًا: الأسباب الخاصة:

- فقد تكفي إشارة الوعيد لمن كان له عقل، وذكر اللقاء غداً بين يدي الله، قال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يُحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ بِمِلْءِ كَفٍّ مِنْ دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَنْ يُهْرِيقَهُ كَأَنَّمَا يَذْبَحُ بِهِ دَجَاجَةً فَلْيَفْعَلْ، كُلَّمَا تَعَرَّضَ لِبَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ حَالَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ) (رواه الطبراني، وقال الألباني: صحيح لغيره).

- وليحذر عبد الغضب ومقدماته، وليتصبر حتى تصير نفسه سجية بذلك.

والله أسأل أن يحفظ ديارنا وعقائدنا، ودماءنا وأموالنا وأعراضنا.

والحمد لله رب العالمين.