خللٌ في الترتيب... خللٌ في النتائج

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: "لَقَدْ عِشْنَا بُرْهَةً مِنْ دَهْرِنَا، وَإِنَّ أَحْدَثَنَا يُؤْتَى الْإِيمَانَ قَبْلَ الْقُرْآنِ، وَتَنْزِلُ السُّورَةُ عَلَى مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَيَتَعَلَّمُ حَلَالَهَا وَحَرَامَهَا، وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُوقَفَ عِنْدَهُ فِيهَا كَمَا تَعْلَمُونَ أَنْتُمُ الْقُرْآنَ، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رِجَالًا يُؤْتَى أَحَدُهُمُ الْقُرْآنَ فَيَقْرَأُ مَا بَيْنَ فَاتِحَتِهِ إِلَى خَاتِمَتِهِ مَا يَدْرِي مَا أَمْرُهُ وَلَا زَاجِرُهُ، وَلَا مَا يَنْبَغِي أَنْ يُوقَفَ عِنْدَهُ مِنْهُ يَنْثُرُهُ نَثْرَ الدَّقَلِ" (رواه الحاكم في المستدرك، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولا أعرف له علة"، ووافقه الذهبي).

إن تميز الصحابة -رضي الله عنهم- في ترتيب الأولويات، ودقةُ التحصيلات، وفهم المرحليات، بليغٌ جدًّا، وإن سرعة تجاوز المرحلة، والعجلة في التحصيل، وحرق العقل في الحفظ دون فهم، فشل في التعلم؛ ينتج عنه شتات في الرأي عظيم، قال ابْنِ مَسْعُودٍ -رضي الله عنه- عن القرآن: "لاَ تَنْثِرُوهُ نَثْرَ الدَّقْلِ، وَلاَ تَهُدُّوهُ هَدَّ الشِّعْرِ، قِفُوا عِنْدَ عَجَائِبِهِ، وَحَرِّكُوا بِهِ الْقُلُوبَ، وَلاَ يَكُونُ هَمُّ أَحَدِكُمْ آخِرَ السُّورَةِ".

الإيمان قبل القرآن يتحصّل بأن يربّي المؤمن نفسه على العقائد والشرائع التي جاء بها القرآن، ويأخذ ذلك بعزيمة وقوة؛ فإذا شرع بعد ذلك في الاستكثار من حفظ  آيات القرآن؛ حفظه وهو يشعر أنه مخاطب بها؛ فيتمعن ويتدبر فيما يحفظ ويخاف أن يكون حجة عليه فيسارع للامتثال بما حفظ.

وعن يزيد بن الأعصم عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "قدم على عمر رجل، فجعل عمر يسأله عن الناس، فقال: يا أمير المؤمنين، قد قرأ منهم القرآن كذا وكذا، فقال ابن عباس: فقلت: والله ما أحب أن يتسارعوا يومهم هذا في القرآن هذه المسارعة، قال: فزبرني عمر، ثم قال: مه! قال: فانطلقت إلى أهلي مكتئبًا حزينًا، فقلت: قد كنت نزلت من هذا الرجل منزلة، فلا أراني إلا قد سقطت من نفسه، قال: فرجعت إلى منزلي، فاضطجعتُ على فراشي حتى عادني نسوة أهلي وما بي وجع، وما هو إلا الذي تقبلني به عمر، قال: فبينا أنا على ذلك أتاني رجل، فقال: أجب أمير المؤمنين، قال: خرجتُ فإذا هو قائم ينتظرني، قال: فأخذ بيدي ثم خلا بي، فقال: ما الذي كرهت مما قال الرجل آنفًا؟ قال: فقلت: يا أمير المؤمنين، إن كنت أسأت، فإني أستغفر الله وأتوب إليه، وأنزل حيث أحببت، قال: لتحدثني بالذي كرهت مما قال الرجل، فقلت: يا أمير المؤمنين متى ما تسارعوا هذه المسارعة يحيفوا، ومتى ما يحيفوا يختصموا، ومتى ما يختصموا يختلفوا، ومتى ما يختلفوا يقتتلوا، فقال عمر: لله أبوك، لقد كنت أكاتمها الناس حتى جئت بها" (سير أعلام النبلاء 3 / 348).