الاتزان

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ) قَالَهَا ثَلَاثًا. (رواه مسلم).

والمتنطع هو: غير المتزن. والمتنطعون هم: المتعمقون الغالون، المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم.

والغلو ليس فقط في العقيدة، بل هو أيضًا في العبادة و الأعمال، والأخلاق، والدعوة، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي معاملة الناس، إلخ.

ونتكلم في مقالنا هذا عن جانبٍ واحدٍ من الغو؛ ألا وهو الغلو في المعاملات.

لقد خسر المتشددون من إخواننا في فقه التعامل مع الناس؛ فأطلقوا عليهم: "العوام"، والعجيب أن بعض العوام يحافِظ على الصلوات والعبادات بهمةٍ عاليةٍ.

ومِن آفات الغلو أنه يُحدِث خلافًا شديدًا بين الأفراد والجماعات لأتفه الأسباب؛ فهذا قد ترك حلقته التي يتعلم فيها القرآن؛ لأن أستاذه فيها قسا عليه مرة، وهذا قد هجر جاره؛ لأن ولد جاره خاصم ابنه مرة، وهذا شكاكٌ مرتاب تكاد مرارته تنفطر من الغيظ على فلان وفلان؛ لا لشيءٍ وإنما لأنه كلَّف نفسه ما لم تُكلَّف، فاشتغل بتفسير المقاصد، فهو ثائرٌ على فلان؛ لأنه قال كلمة في مجلس يظن أنه لا يقصد غيره بها، وهو ساخطٌ على فلان؛ لأنه -بزعمه- متكبر، وافقه مرة فلم ينظر إليه إلا بطرفٍ فاترٍ، وهو منقبض على فلان؛ لأنه فيما يظهر له يتلظى صدره عليه مِن الحسد.

وهذا حزين على صديقه؛ لأن إدارة صديقه في البيت ليس كإدارته هو.

وهذه الأخت المنتقبة وترتدي السواد لا تمشي مع الأخت المنتقبة التي تلبس لونًا آخر غير السواد!

وهذه الملتزمة التي لا ترى عينيها ولا تتحدث حتى مع بائع البقالة، هي هي مَن تسمع صوتها وضحكاتها في وسائل المواصلات!

وهذا يتورع عن قبول طلب الصداقة للنساء عبر برامج التواصل الاجتماعي ثم هو لا يتورع عن مخاطبة كل امرأة تقع فريسة بين يديه؛ فهو (روميو) هذا الزمان!

وهذا يسمع الغناء مع أهل بيته؛ ولكنه ينكر على أقاربه اذا أقاموا حفل زفاف فيه موسيقى صاخبة، كالنعرة السائدة الآن التي تفاضل بين الغناء القديم بالحديث.

صدق النبي -صلى الله عليه وسلم- حينما قال: (هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ)، دعاء من النبي -صلى الله عليه وسلم- على عديم الاتزان.

هلاكٌ؛ لأنه ضيَّق على نفسه وعلى غيره.

هلاكٌ؛ لأنه صادٌ عن سبيل الله بتطرفه الفكري.

اللوثة العقلية التي تحَار العقول السليمة في تفسيرها؛ هدمت قوانين المعرفة، وإن عدم تحقيق التوازن بين طلب العلم الشرعي والتحصيل الفكري، والاهتمام بالواقع، دليل على عدم التوازن ومدعاة للوقوع في الخطأ ومجانبة الصواب في كثيرٍ مِن الأمور، (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (البقرة:143).