أحقًّا غابت القدوات مِن مجتمعاتنا؟!

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ)، وفي رواية أخرى: (فَهُوَ أَهْلَكَهُمْ) (رواه مسلم).

هناك نظرات تشاؤميَّة يطل علينا بها أناس بين الحين والحين مِن نافذة الهوى وباب المصلحة الشخصية والأطر الأيديولوجية الخاصة بهم أو أناس لا يريدون إلا ما يخدم أهدافهم، وينشر معتقداتهم الفاسدة؛ كل هؤلاء وغيرهم يحاولون جاهدين أن يغرسوا في عقليات هذا الجيل تلك النظرات الهدامة، فتراهم يعلنون ليل نهار أن الشر كثر والخير اندثر، وقلما تجد في عصرنا القدوات الصالحة الدنيوية قبل الأخروية، ولا ندري ماذا يقصدون مِن وراء هذا؟ وعلى أي شيء حكموا علينا بذلك؟ ولأي مصلحة يسعون لها؟ ولماذا كل هذه الحرب على شاشاتهم وبرامجهم؟!

سبحان الله!

نقول ونتساءل بأعلى صوت لنا: أحقًّا غابت القدوات مِن مجتمعاتنا؟! أم الحقيقة المهمة التي تبرز كالشمس في رابعة النهار: أنه التضليل المجتمعي لتغيير محور التفكير لدي كثيرٍ مِن الفئات العمرية في ميدان القدوة؟!

وفتح المجال لقدوات مصطنعة ورموز جديدة صنعها الإعلام وضخَّمها بالمال والشهرة، وفي الحقيقة أنها سبب للانحرافات السلوكية وضرب المجتمع في أخلاقه، وسيادة الغرائز والشهوات بأنواعها على العقول الواعدة أو طمس ملامح الهوية الإسلامية، ونشر الحرية الفوضوية وبذر بذور الإلحاد، أو محاولة قتل الأمل في نفوس الشباب، وأن العبرة بالحظ لا بالعلم، وأن الآمال في الأموال!

وهنا نتساءل بلسان كل حريصٍ ومصلحٍ: مَن يبني إذا لم يبنِ العلم؟! ولماذا تترصدون للمصلحين والعاملين بالمرصاد؟!

واستكمالًا وتوضيحًا للحقيقة: أنه على مدار عقود عدة مضت يحاول هؤلاء إسقاط القدوات ودحر الكفاءات، وهتك أستار المصلحين بغير حق، وهز ثقة المجتمع فيهم واتساع الفجوة بينهما.

وأمثلة ذلك كثيرة، منها -على سبيل القصر لا الحصر-: يرون المعلمين مثلًا منهم مَن لم يعد قدوة يُقتدَى به، فهناك منهم السيئ الخلق والنفعي، وأنه فقد رسالته التي مِن المفترض أن يحملها للأجيال الحالية فضلًا عن الاستهزاء به والسخرية منه والتقليل مِن شأنه في أفلامهم وبرامجهم الهزلية، وربما يستشهدون بحادثة فردية حقيقية أو مفتعلة، ويضخمونها في أعين الناس حتى تزول هيبته وتضيع قدوته، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

فنقول: إن وجد شخص أو شخصان أو غير ذلك فعلًا، فهناك المئات، بل آلاف من المعلمين ذوي القدوة في الخلق والقدوة في العلم، ولا يزالون بأفعالهم وأقوالهم مثالًا يحتذي به، وتأثيرهم يخطف بالقلوب -بفضل الله-، فهم بأمر الله محاور صناعة الأجيال، وبناة عدة المستقبل التي بهم تبنى الأمم وتنشأ الحضارات، فلمَ الحرب عليهم والانتقاص مِن مكانتهم؟!

وأنتم أول مَن تعلمتم على أيديهم البيضاء الناصعة، وكذلك الطبيب يصورونه بأن المال طغى عليه وسوء الخلق وصل إليه ولم يعد يرعَى للمهنة حقها ولا للمريض حقه، وفتحوا مجالًا للشك فيه وصوروه بصورٍ عدةٍ، منها: الجزار والسارق الذي ربما يسرق أعضاءك، وغير ذلك، فإن وُجد شخص افتراضًا كهذا مثلًا، فهناك المئات، بل الآلاف من الأطباء يضحون بأوقاتهم وأعمارهم وصحتهم في سبيل رفع الألم والبلاء عن المرضى ولو بكلمة طيبة، ومنهم مَن يفتح باب عيادته للفقراء والمحتاجين مجانًا، فلمَ التغافل عن هؤلاء؟ وأي مصلحة ترجى مِن وراء ذلك؟!

ومِن أمثلة ذلك أيضًا: يقولون عن الشيوخ وعلماء الدين: منهم مَن لم يعد قدوة يقتدى به، فمنهم مَن يفتي بهوى ويجيب بعقله لا بنقله، وأنه يدور حيث تدور مصلحته وغايته الدنيوية، وكل شيخ له طريقة ومذهب، والعلم واسع والدين يسر، والمهم القلب، وكل هذا وغيره عنهم.

والحقيقة: أننا لدينا المئات، بل الآلاف، وتراب الأرض يشهد فضلًا عن هوائها لهم، فمنهم مَن يبلِّغ عن الله -تعالى- بعلم، وأفنى وقته في تعليم الناس وهدايتهم بأمر الله -تعالى-، وتعفف عما في أيديهم، وأعلن استسلامه لله في كل أمره، وسعى مِن أجل الآخرة فيما يبدو لنا والعلم عند الله، وربما لم يجد وقتًا لأهله وأولاده فدعوته أخذتْ منه كل شيء، وأسر قلوب العباد بتقواه لله -تعالى- وخوفه منه، ومنهجه منهج الصحابة -رضوان الله عليهم-.

فعن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلين) (رواه البيهقي، وصححه الألباني)

فلمَ التجرؤ عليهم والنيل منهم؟! والله المستعان على ذلك.

اعلموا أيها المتشائمون المنهزمون المحطمون...

أن وجود العلماء والدعاة والمصلحين العاملين بحق، وأهل الدراية والخبرة في كل المجالات بركة على مجتمعاتهم وبلادهم، وأحيائهم وشوارعهم، فكلما وُجد العالم العامل في مكانٍ زادت الألفة والمحبة الواضحة بين أهل هذا المكان، وساعدهم على ضبط النفس مِن الداخل والخارج، وقلت بأمر الله -تعالى- معدلات الجريمة، وأصبح مرجعية لحلِّ كثيرٍ مِن المشاكل الأسرية والمجتمعية؛ فلمَ نصورهم بهذا الشكل؟!

ولمَ نحاول عدم وجودهم؟!

إن الأمم والمجتمعات يُقاس مدى تقدمها ورقيها الدنيوي وحتى الأخروي بمقدار ما يوجد لديها مِن علماء وقامات علمية رفعتْ شأن بلادها وحافظت على تراثها، وعمَّرت أراضيها بالعلم، والدم، والجهد والعرق، فأثبتت وجودها بين الأمم، فلابد أن نصدِّر هؤلاء للأجيال الحالية والقادمة ونعلمهم، بل نغرس فيهم أن مثل هؤلاء هم قدواتنا المجتمعية بحق، مستمدين قدوتهم مِن النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحابته -رضي الله عنهم-، فقد قال -تعالى-: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) (الأحزاب:21)، فطرح القدوات المزيفة يعود على المجتمع بالسلب؛ فيقتل الصلاح، ويصنع الجريمة، وينشر الخرافة والإلحاد، وغياب الوعي والعبث بالمستقبل، وتحطيم أجيالنا بأيدينا.

فاتقوا الله في أجيالنا، وكرِّسوا الجهد والعمل مِن أجلهم إذا كنتم فعلًا تريدون الصلاح والإصلاح، وأرشدوهم إلى الطريق بحق.

وأسأل الله أن يلهمنا جميعًا، ويلهم شبابنا طريق السلامة والإسلام، والعلم والإيمان.