المُتاجِرون

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن المقصود بمصطلح: "التجارة بالدين": طلب الدنيا بالدين، وهذا ينافي الإخلاص في العبادة ابتغاء وجه الله -تعالى-.  

وكانوا يطلقون هذا غالبًا على بعض الوعاظ أو العلماء الذين ليس لهم غرض مِن وعظهم أو علمهم إلا تحصيل حطام الدنيا الفاني، وتبوؤ المناصب العلمية أو السياسية.

ولا شك أنه يوجد مَن يتخذ الدين مهنة، والقربات مصدرًا للمنفعة والاستغلال، وفي الحديث الصحيح: (بَشِّرْ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِالسَّنَاء وَالرِّفْعَةِ فِي الدِّينِ، وَالنَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ فِي الْأَرْضِ، فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ عَمَلَ الْآخِرَةِ لِلدُّنْيَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْآخِرَةِ نَصِيبٌ) (رواه أحمد، وصححه الألباني).

وإليك بعض الأمثلة على المتاجرة بالدين:

١- إذا أرد الرجل أن يزوِّج ابنه يقول "لأهل العروس": قال النبي -صلى الله عليه وسلم- للرجل الذي أراد أن يتزوج: (التَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ) (رواه البخاري)، وإذا أراد أن يزوِّج ابنته غاَلَى في مهرها؛ فهو استدل بالحديث هنا لمنفعةٍ ماديةٍ بحتةٍ.

٢- قول البعض: (الله المستعان) في غير موضعها ومناسبتها؛ فأصبحت هذه الكلمة "لازمة" في كلام البعض حتى إني خشيتُ أن تقال بدل تحية الإسلام! فإذا قبض راتبه قال: الله المستعان، وإذا كان فرحًا قال: الله المستعان! ومعنى هذه الكلمة: طلب العون مِن الله -تعالى- وحده، والاستعانة به على ما يحيره، ويصعب عليه. وهي مِن المناسِب قولها عند حصول أمر صعب، أو محير، أو توقع مكروه.

ومِن أمثلة ذلك: قول يعقوب -عليه السلام- عندما أخبره أبناؤه بأن يوسف -عليه السلام- أكله الذئب: (وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) (يوسف:18). ومن ذلك: قول عثمان بن عفان -رضي الله عنه- في الحديث المتفق عليه لما أُخبر ببلوى تصيبه، قال عندها: "الله المستعان".

وتكرار الكلام الحسن في غير موضعه يذهب هيبة الدين.

والغرض مِن ذلك: استسلام العامة للمتحدث، والتزيي بلباس التقوي!

3- إذا رزق بمولود فيقول: "سميته أحمد إن شاء الله" عجبي!

إن شاء الله معناها: تعليق القائل حصول ما سيفعله، أو يتوقع حصوله على مشيئة الله -تعالى-، والمناسِب المستحب قولها عند إرادة فعل شيء في المستقبل، أو توقع حصول شيء فيه.  

ومِن الأمثلة على ذلك: قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لعتبان بن مالك -رضي الله عنه- عندما قال له: وَدِدْتُ أَنَّكَ يَا رَسُولَ اللهِ، تَأْتِي فَتُصَلِّي فِي مُصَلًّى، فَأَتَّخِذَهُ مُصَلًّى، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللهُ) (متفق عليه).

٤- أصبحت كلمة (أبشِر) في أيام الناس هذه عَلَمًا على عدم تحقق البشرى مِن المُبشّر؛ بل أصبحت علمًا على الكذب، وجزءًا كبيرًا مِن الدروشة والمتاجرة بالألفاظ الشرعية الموهمة بالتدين!

وقول: "أبشر": ليس مِن السنن المهجورة؛ لأن المقصود ليس هو مجرد اللفظ، وإنما المقصود هو تبشير المسلم، وإدخال السرور عليه، وحسن مجاوبته بأي لفظٍ كان، وبأي لسانٍ يعتاده الناس.

والمتاجرة بالدين؛ إما أن تكون مادية أو معنوية أو كلاهما؛ فينفر الناس مِن الحق، وتذهب هيبة الشريعة، ويصعب على العلماء دعوة الناس إلى الطريق المستقيم.