المخطوط العربي كائن تاريخي!

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، اما بعد؛

فهذه العبارة يكررها كثيرًا بعض المشتغلين بالتراث، وهي تلفت الانتباه؛ لما يحتويه المخطوط العربي مِن لمحاتٍ علميةٍ واجتماعية وتاريخية؛ بالإضافة إلى النص الذي يحمله المخطوط.

والمشتغل الفَطِن بالتراث إن أحسن استنطاق المخطوط؛ لباح له المخطوط بالظروف التي واكبت كتابة النص الذي يحتويه، كأن هذا المشتغل بالتراث قد انتقل ليعاصر زمان كتابته، فبالإضافة إلى النص الذي يحتويه المخطوط، هناك ما يسمَّى: "خوارج النص" التي تكون على طرر الكتاب وأغلفته، وكذلك الوعاء نفسه؛ كل ذلك ينم على ملامح عصرٍ ما.

فالوعاء مِن حيث نوع الورق والتجليد والتذهيب، ونوع الحبر؛ كل ذلك يحكي مظهرًا حضاريًّا لعصر كتابة هذا المخطوط، ويعطيك لمحة عن الأحوال الاقتصادية لأهل هذا الزمان مِن المشتغلين في العلم.

وتملُّكات الكتاب: تعطيك تصورًا عن الأيدي التي تناولتْ هذا الكتاب، وكيف كان اهتمام الناس لتملكه جيلًا بعد جيل، وأحيانًا كأنك ترى كيف فرَّط الورثة في تراث أبيهم فباعوه، وانتقلت ملكيته لمالكٍ آخر!

والوقف الذي على الكتاب ينبئك عن مدى اهتمام الأثرياء والأعيان بنشر العلم وإعانة الطلاب في ذلك الزمان.

أما مكان الوقف: فيخبرك بمركز مِن مراكز نشر العلم التي كانت محل اهتمام مِن المجتمع في ذلك الزمان، سواء كان الوقف على مكتبة مسجد أو جامع أو مدرسة، أو كان على خزانة خاصة لعالم أو أمير.

والسماعات التي كتبت على الكتاب: تنبئك برحلة هذا الكتاب بين البلدان، فربما نسخ الكتاب في القاهرة، وقوبل في القدس وسمعه الطلاب في الحرم، كما تبيِّن تلك السماعات: كيف كانت حلق العلم وحضور الطلاب مِن بلدان شتى لسماع الكتاب على مؤلفه أو عالم له إسناد إلى مؤلفه؟

وناسخ الكتاب عندما يعيش مع الكتاب حتى ينتهي منه لابد أن يودِّعه بعبارة تنقلك عبْر التاريخ إلى هذا الزمان، فقد نسخت الكاتبة "مريم بنت عبد القادر" كتاب "الصحاح" للجوهري في أواخر القرن السادس الهجري -والنسخة في أحد مساجد العراق- وكتبت في آخره: "أرجو مَن وجد سهوًا أن يغفر لي خطئي؛ لأني كنت بينما أخط بيميني كنت أهز مهد ولدي بشمالي".

وحجم الخط والعبارات التي تشبه الذكريات التي تكتب على الغلاف تدل على الحالة المزاجية للكاتب، وعلى طرر بعض المخطوطات حَدَثٌ ما، دونه أحد النساخ على غلاف الكتاب، أو بيتًا من الشعر استحضره لا علاقة له بالكتاب، لكنه يحمل معنىً ما تعرف به الحالة المزاجية للكاتب.

وأحيانًا تتسلل الخرافة على أيدي التجار أو مَن آل اليه الكتاب مِن الجُّهال، فيكتب على الكتاب: (يا كبيكج) أو يكتب بعدها: (احفظ الكتاب)، ظنًا أن هذا جنِّي يعبث في الكتب فيفسدها فيخاطبه ظنًا منه أنه سيستجيب له.

وأختام المكتبات الموجودة على الكتاب، تحكي لك مِن أين بدأ الكتاب رحلته، وعلى مَن مر الكتاب وأين استقر؟ وربما تجد كتابًا كُتب في المشرق، وعليه ختم لمكتبةٍ مِن مكتبات أوروبا، فكأنك تسمع أنينًا لهذا الكتاب، لا مِن شدة البرد، بل مِن طول الغربة في ديار الكفر بعيدًا عن مهده الأول.

هذا كله خوارج النص، أي الأشياء التي جاءت عرضًا.