بين الاعتذار والانتصار

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن ما يفسد العلاقات في المجتمع ويسلبه تماسكه وقوته: جارٌ لا يعتذر لجاره ويعتبر ذلك ضعفًا منه، وزوجٌ تأخُذُه العزَّة بالإثم فلا يعتذر لزوجته إن أساء إليها، ولا يُحدِّث نفسَه بذلك، خوفًا مِن أن ينقصَ ذلك من رجولتِه، وظنًّا منه أنه أكبر مِن أن يعتذر لها، ويطلب منها الصفح والعفو، وكذلك زوجةٌ تُخطِئ في حقِّ زوجها فلا تعتذر، معتقدةً أن الاعتذار قد يدفع زوجَها للتعالي عليها، ومديرٌ لا يعتَذِرُ لموظَّفيه، خشيةَ أن يعتبروه ضعيف الشخصية، ومدرِّسٌ لا يعتذر لتلاميذه إذا أخطأ معهم، خوفًا مِن أن يصِفوه بعدمِ إتقان مادته.

إن المسلم مُطالَبٌ بالاستقامة على دين الله، فإن أخطأ -وكل بني آدم خطَّاءٌ- فعليه أن يتوب؛ فخير الخطَّائين التوابون، ومِن توبته رَدُّ المظالمِ إلى أهلها، وهو كذلك مُطالَبٌ بتجنُّب ما يعكِّر الود بينه وبين أخيه المسلم، ومطالبٌ كذلك بالابتعاد عن ما يُلجِئُه إلى الاعتذار، قال -تعالى-: (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا) (الإسراء:53).

وعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأنصاري -رضي الله عنه- قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي، وَأَوْجِزْ، قَالَ: (إِذَا قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ فَصَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ، وَلَا تَكَلَّمْ بِكَلَامٍ تَعْتَذِرُ مِنْهُ، وَأَجْمِعِ الْيَأْسَ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ) (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني).

إن المسلم إن أخطأ: فعليه أن لا يمنعه الكِبْر وانتصارُه لنفسه مِن الاعتذار، فالاعتذار أدبٌ إسلاميٌّ عظيم ينتصرُ به المسلم على نفسه فيطهرها مِن الكبرياء، وينتزع ما في قلب أخيه المسلم تجاهه مِن الحقد والبغضاء، أو إساءة الظن به حين يخطئ في حقه.

إن الاعتذار بكلمات يسيرة ينمي الحب والمودة والتسامح، ويحطم الحواجز بين المسلمين، ويزيل الغضب، ويداوي قلبًا مكسورًا أو كرامةً مجروحة، ويعيد المياه إلي مجاريها فيرمم كثيرًا مِن العلاقات المتصدعة.

فإن خدعك الشيطان ونزغ بينك وبين أخيك بقول التي هي أسوأ -ولو على سبيل المزاح- فعليك ألا تكابر في الدفاع عن نفسك، وعليك ألا تبرّر ما قمت به، فالشجاع مَن اعترف بخطئه واعتذر عنه، وإياك أن يزيِّن لك الشيطان أن اعتذارك واعترافك بخطئك سينقص مِن قَدْرك.

ولا يلزم أن يكون اعتذارك عن إساءة، فقد يكون توضيحًا لموقفٍ، أو بيانًا لقصدٍ، فعلى المسلم أن يدْفَع عن نفسه سوءَ الظن، ويثبتَ براءته مما قد يظنه الناس به، ولستُ ولستَ أفضلَ من رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- حينما أَتَتْهُ زوجتُه صَفِيَّةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، فَلَمَّا رَجَعَتْ مَشَى مَعَهَا، فَأَبْصَرَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَلَمَّا أَبْصَرَهُ دَعَاهُ فَقَالَ: (تَعَالَ هِيَ صَفِيَّةُ - أو هَذِهِ صَفِيَّةُ -، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ)، وقد روى البخاري هذا الحديث في باب: "هَلْ يَدْرَأُ المُعْتَكِفُ عَنْ نَفْسِهِ؟"، أي: هل يدفع عن نفسه ما يُوَجَّهُ إليه مِن سوءٍ بالقول أو الفعل؟

إن مما يؤسف له: أن بعض الناس يعتذر عن الأشياء العابرة الخفيفة، مثل: الاصطدام الخفيف أثناء المشي، ولا يعتذر عن أخطاء حقيقية يلزمه الاعتذار عنها حتى تصفو الحياة، ولا ينهدم الود بينه وبين مَن يعاشرهم!

فهل نملك الشجاعة الكافية لكي ننتصر على أنفسنا فنعتذر عن أخطائنا التي ارتكبناها بقصدٍ أو بسوء فهم؟!