المهمة الصعبة!

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قال الله -تعالى- مخاطبًا نبيه موسى -عليه الصلاة والسلام- في سورة طه: (اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي . اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى . فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى . قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى . قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) (طه:42-46).

أي: اذهب يا موسى أنت وأخوك إلى حيث آمركما متسلحين بآياتي ومعجزاتي، ولا تضعفا أو تتراخيا في ذكرى وتسبيحي وتقديسي بما يليق بذاتي وصفاتي من العبادات والقربات، فإن ذكركما لي هو عدتكما، وسلاحكما وسندكما في كل أمر تقدمان عليه.

ثم أرشدهما- سبحانه- إلى الوجهة التي يتوجهان إليها فقال: (اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى)؛ أي: اذهبا إلى فرعون لتبلغاه دعوتي، ولتأمراه بعبادتي، فإنه قد طغى وتجاوز حدوده، وأفسد في الأرض، وبيَّن لهما -سبحانه- وتعالى الطريقة التي ينبغي لهما أن يسلكاها في مخاطبة فرعون، فأمرهم بخطابه بالقول اللين، وبالكلام الرقيق؛ فإن الكلام السهل اللطيف مِن شأنه أن يكسر حدة الغضب، وأن يوقظ القلب للتذكر، وأن يحمله على الخشية من سوء عاقبة الكفر والطغيان.

ووجههم -سبحانه- إلى أن يباشرا هذا الأمر معه، مباشرة مَن يرجو ويطمع في نجاح سعيه، وحسن نتيجة قوله، وقد قال موسى وهارون -عليهما السلام- بعد أن أمرهما ربهما بالذهاب إلى فرعون لتبليغه دعوة الحق: يا ربنا إننا نخاف أَنْ يعاجلنا فرعون بالعقوبة قبل أن ننتهي من الحديث معه في الأمر، أو يزداد طغيانه فيقول في حقك يا ربنا ما لا نريد أن نسمعه، ويقول في حقنا ما نحن برآء منه، ويفعل معنا ما يؤذينا.

فجاءت الإجابة المثبتة لفؤادهما والمزيلة لخوفهما: (لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى)، أي: معكما بقوتي وقدرتي ورعايتي، وأسمع كلامكما وكلامه، وأرى فعلكما وفعله، لا يخفى على شيء مِن حالكما وحاله، فاطمئنا أنني معكما بحفظي ونصرى وتأييدي، وهذا الطاغية ناصيته بيدي، ولا يستطيع أن يتحرك أو يتنفس إلا بإذني.

وقد اشتمل هذا المقطع مِن الآيات الكريمات أيضًا على إشاراتٍ توضيحية لبعض الأسس الإدارية اللازمة للتعامل مع المهام الصعبة والواجبات المتعددة الضرورية لإصلاح نظم الحياة الآسرة.

وهذه الإشارات والأسس تتمثل في عدة أمور منها:

أولًا: وضوح المهمة: (اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي)، (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى)، فالمهمة المطلوبة محددة بوضوح؛ حركة إيجابية نحو الهدف المحدد بـ"تبليغ الرسالة" لفرعون وقومه ودعوتهم إليها، مع بيان السبب الواضح لتلك الحركة في قوله -تعالى-: (إِنَّهُ طَغَى)؛ فالإصلاح لا يحدث بالأماني، إنما يحتاج إلى حركة دءوبة صحيحة واضحة.

ثانيًا: وضوح المؤهلات المطلوبة لأداء المهمة: (بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي).

لكل مهمة مطلوب مؤهلات ضرورية للقائمين بها؛ فلا إنجاز أو نجاح بدون مؤهلاتٍ، وقد جاءت الآيات ببيان المؤهلات والعداد والعدة اللازمة لتلك لمواجهة المرتقبة، والمتمثلة في: 

- العلم والحجة اللازم لبيان الحق الذي معك (بِآيَاتِي).

- الثبات الانفعالي؛ وهو مِن أعظم المؤهلات اللازمة للمواجهات الصعبة، فمن أعظم الأسباب الجالبة للثبات والمذكورة في الآيات هي مداومة الذكر (وَلَا تَنِيَا)، كما أوضح الله ذلك في غير موضع آخر، فقال: (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد:28).

- التزود بوسائل القوة المتاحة:

يقول ابن كثير -رحمه الله-: "والمراد بقوله: (وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي)، أنهما لا يفتران في ذكر الله، بل يذكران الله في حال مواجهة فرعون، ليكون ذكر الله عونًا لهما عليه، وقوة لهما، وسلطانًا كاسرًا له.

ثالثًا: بيان أسلوب العمل وطريقة الأداء:

(فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا): وضوح أسلوب العمل، وطريقة الأداء المناسبة للمهمة المطلوبة مِن آكد الواجبات اللازمة للنجاح؛ لذا فمن أعظم الغبن في حياتك أن تطلب مِن أحدٍ تحت ولايتك عملًا ثم لا تبيِّن له طريقة أدائه المناسبة.

وتأمل هنا في أن مهمة التذكير والدعوة تحتاج إلى كسب القلوب أولًا مع حسن عرض وجودة تسويق؛ لذا جاء التوجيه في الآيات لأسلوب الخطاب بـ(قَوْلًا لَيِّنًا).

يقول المراغي -رحمه الله- في تفسيره في بيان ذلك: "فكلماه بكلام رقيق لين، ليكون أوقع في نفسه، وأنجع في استجابته للدعوة، فبرقيق القول تلين قلوب العصاة، وتنكسر ثورة الطغاة، ومِن ثَمَّ جاء الأمر به لنبيه محمد -صلّى الله عليه وسلّم- في قوله: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل:125).

رابعًا: التحفيز وبث الأمل:

(لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)؛ يحتاج العاملين دائمًا إلى التحفيز وبث الأمل أثناء المسير للاستمرار في المهمة بكل عزم وجد؛ وإن بدت النتائج صعبة أمامهم، فاليأس والإحباط مقعد عن العمل، ومانع للاستمرار فيه؛ فمَن رجا شيئًا طلبه، ومن يئس انقطع عمله.

قال المراغي -رحمه الله- في تفسيره: "أي أدّيا الرسالة، وقوما بتنفيذ ما دعوتكما إليه، واسعيا إلى إنجازه سعى من يرجو ويطمع أن يثمر عمله، ولا يخيب سعيه، فهو يجتهد قدر استطاعته، ويحتشد بأقصى وسعه آملا أن تكلل أعماله بالنجاح والفوز والفلاح، فاصدعا بالأمر وأنتما طامعان أن أعمالكما ستثمر، وأنكما ستهديانه إلى سواء السبيل، وقد جرت العادة أن مَن رجا شيئا طلبه، ومن يئس انقطع عمله".

خامسًا: توقع المخاطر المحتملة وأخذ الحيطة والحذر منها:

(إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى): أصحاب المهمات الصعبة لابد أن يكونوا دائمًا في حذرٍ وحيطةٍ في غير غفلة مع يقظة وفطنة لما قد يحاق بهم مِن مكر الماكرين أو عراقيل المتربصين؛ وذلك لضمان استمرارهم ونجاح مهمتهم، فالطريق وعر صعب طويل، ليس مفروشًا بالورود أو بالنوايا الحسنة من المتضررين.

سادسًا: الدعم القوي اللازم والمطمئن للاستمرار:

(إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى): مَن سلك الطريق لنجاح مهمته مستصحبًا معية الله وقدرته؛ اطمئن قلبه وقويت عزيمته، وآوى إلى ركنٍ شديدٍ.

 فمعية الله -تعالى- وأكرم بها من معية، يصير العبد بها كالجبال الراسية التي لا تتزعزع؛ ففيها كل الدعم والطمأنينة المطلوبة لاستمرار المسير، فهي معية من السميع البصير، القوي العزيز، المدبر القادر، القابض الباسط؛ معيةٌ إن حظى بها العاملون، ما ضرهم بعد ذلك كيد الكائدين، أو مكر الماكرين، فهي معية توفيق وبصيرة، وحفظ وحماية، وسكينة وطمأنينة، ومعية صبر ورضا، ونصر وتأييد.

فأنعم بها من معية!