لا يا شيخ... !

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

"لا يا شيخ!"... كلمات تتكرر كثيرًا في مجتمعنا، فعندما يتحدث الرجل مع صاحبه في موضوعٍ ما، تسمع هذه الكلمات: "لا يا شيخ"؛ نقولها عند أمرٍ مبالغ فيه أو نتعجب مِن كلام المتحدث؛ أو لشيءٍ لا يمكن حدوثه.

والسؤال هنا: لماذا كلمة يا شيخ مقرونة بالتعجب والمبالغة والنفي؟!

والإجابة مِن وجهة نظري في نقطتين:

١- البعض يهتم بصورته الالتزامية التدينية فقط، ويجهل ما هو معلوم بالدين بالضرورة، وهو عند الناس عالم ملهم! فيحدِّث الناس بالعجائب والقصص المؤلفة (مِن تأليفه) الممزوجة بالدروشة، ورفع الصوت أحيانًا! فتظهر البدع وينتشر الفساد! وللأسف يكون النصيب الأكبر في نشر البدع وسَذَاجة الفكر والمنطق لأصحاب السمت الديني، فتنتقل تلك العجائب عبْر الزمن وتتراكم وتتوارث؛ بدعة فوق أختها، ومضحكة يستنكرها العقلاء، فتلتصق السَذَاجَةُ وخفة العقل بـ"الشيخ"، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وكان النصيب الأكبر في نشر الدروشة والقول على الله بلا علم للصوفية: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (اﻷعراف:33).

وبعض الأحاديث النبوية السائدة في العصر المملوكي تصرخ بأن واضعيها صوفية، حيث وُضعت في أمورٍ تعبِّر عنهم: كأفضلية السرج والقناديل في المسجد، وغيرها مِن الأعاجيب!

٢- تكرار الكلمات في غير موضعها ضياع لهيبتها: نسمع في اللقاءات والحلقات جملة: "أخوكم في الله"، عندما يُعرف الرجل بنفسه، فعندما يُعرِّف أحدنا نفسه: لماذا يبدأ بـ"أخوك في الله"؟! لم أقرأ أن ذلك في كتب السنة قط؛ نحن نعلم أن المؤمنون إخوة، وإذا كنا في المسجد فنحن أكيد إخوة في الله؛ فما الداعي أن نعرِّف أنفسنا بهذه الجملة؟!

كان هناك رجل مِن عامة الناس لا يعرف مِن السُّنة شيئًا، وأراد أحد الشباب الملتزم أن يثني على هذا الرجل؛ فأثنى عليه، ثم قال الشاب: "أحسبه كذلك. فقال الرجل للشاب: يعني أنت غير واثق في، وتظن أني كويس وغير متأكد مني!".

قال عَلِيٌّ -رضي الله عنه-: "حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ -يفهمون-، أتحبون أن يُكَذب الله ورسوله؟!" (أخرجه البخاري)، وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يُذكر عند العامة. ومثله قول ابن مسعود‏:‏ ‏"‏مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ، إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً‏"‏ (رواه مسلم‏).‏

الدعوة تحتاج إلى علمٍ وحكمة؛ ألا ترى إلى عظمة القرآن في تمهيد الإقناع في مولد عيسى بقصة زكريا ويحيى -عليهم السلام-، فلا تذكر قصة عيسى إلا ذُكر قبلها قصة زكريا ويحيى -عليهم السلام-؟!