ميت يبكي على ميت!

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد حضرتُ جنازة أحد الأقرباء؛ فأسرع ابن المتوفى واحتضنني، وأجهش بالبكاء حزنًا على والده -رحمه الله-، وقال لي كلمات مِن قلبه في غاية البيان؛ تعبيرًا عن الأسى الذي لحق به، والمصيبة التي أصابت عائلته (فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ) (المائدة:106).

العجيب أن هذا الابن مات بعد أبيه بسنة واحدة على فراشه فجأةً بيْن أولاده في لمحة بصر، وإن شئت قلتَ في سكونٍ مخيف؛ ولحظة مِن أخطر اللحظات في قدره!

يا سبحان الله! الدنيا بما فيها مِن حزن وفرح لا تساوي شيئًا، ولا ينبغي أبدًا أن نعطي الأمور فوق حجمها، فإن الإنسان -بصفة عامة- غيرُ متَّزن تجاه انفعالاته، وما يَعْرض له (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا . إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا . وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا) (المعارج:19-21). والهلع: قلة إمساك النفس عند اعتراء ما يحزنها أو ما يسرها، (إِلَّا الْمُصَلِّينَ . الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ) (المعارج:22-23).

فالمصلي الحقيقي إذا أصابته مصيبة يحزن، نعم ولكن يعطي الأمور حجمها ويسلِّم أمره لله -تعالى-: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (البقرة:155-156).

أعجبني مَن قال: "سنكون جميعًا مع أقاربنا وأصدقائنا تحت الأرض، وسيكون مصيرنا الأبدي قد أصبح واضحًا جليًّا أمام أعيننا، وسيسكن بيوتنا أناس غرباء، وسيؤدي أعمالنا ويمتلك أملاكنا أشخاص آخرون، لن يتذكروا شيئًا عنا، فمَن يتذكر أو بخطر بباله جده؟!".

سنكون مجرد سطر في ذاكرة بعض الناس، وأسماؤنا وأشكالنا في طي النسيان، وسيكون الموت راحة للبعض وشقاءً على آخرين، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مُسْتَرِيحٌ، وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ قَالَ: (الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ) (متفق عليه)

قال عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- لعالِم مِن العلماء: "عظني. فقال له: لستَ أول خليفة تموت. قال: زدني. قال: ليس مِن آبائك أحد إلى آدم إلا ذاق الموت وسيأتي دورك يا عمر، وسيأتي دورك يا عمر"، فبكى عمر -رحمه الله-، وخرَّ مغشيًّا عليه.

تـزود مـِن مـعـاشـك لــمـعــاد            وقـم لـلـه واعـمـل خـيـر زاد

ولا تـجـمـع مـن الدنـيـا كثيرًا            فـإن الـمـال يـجـمـع لـلـنـفـاد

أتـرضى أن تكون رفيق قـوم             لـهـم زاد وأنـت بـغـير زاد؟!