معالم في السلفية (2) نشأة المصطلح

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فهناك دائمًا سؤال يطرحه الكثير مِن عموم المسلمين وشبابهم للفهم.

لماذا التسمية بالسلفية وهي اسم لم يَرد في الكتاب والسُّنة؟! ولماذا نبتدع أسماء جديدة والله -عز وجل- يقول: (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ) (الحج:78)؟!

وهذا السؤال أيضًا يُطرح بكثرةٍ مِن أصحاب أجنداتٍ مناوئة في محاولة منهم لطمس هذا المسمى عند عموم المسلمين.

والإجابة على ذلك التساؤل يسيرة -بإذن الله-، وهي مِن عدة وجوه:

أولًا: إطلاق الأسماء ابتداء على أي حقيقة لا ضرر منه مطلقًا سواء في الشرعيات أو المباحات، والاسم ما دام أنه لا يشتمل على باطلٍ؛ فليس ممنوعًا شرعًا، فقد سمَّى النبي -صلى الله عليه وسلم- بعض المسلمين بالمهاجرين؛ مِن أجل الهجرة، وسمَّى البعض الآخر بالأنصار؛ مِن أجل النصرة، وسُمي مَن جاء بعدهم بالتابعين؛ لاتباعهم مَن سبقهم مِن المهاجرين والأنصار، بل خصَّ النبي بعضهم بخطابٍ لهم وهو موجَّه لكل المسلمين فقال: (يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِين:َ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ... ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني)، فما هو الضير في تسمي مَن تلمس هدي السلف مِن الصحابة والتابعين بالسلفي؟!

ثانيًا: هذه التسمية ضرورية -وما زالتْ-؛ لتمييز الطائفة المتبعة لمنهج السلف (الصحابة والتابعين) عن سائر الطوائف المخالفة لهم باسمٍ يشير إليهم مِن بيْن مَن يخالفهم، وهي نسبة قبْل أن تكون اسمًا علمًا، حيث مرَّ هذا المصطلح بتطوراتٍ تاريخيةٍ حتى ظهر.

فقد كان أول ظهور لمصطلح السلفية في أيام الدولة العباسية بعد التأثر بحركة الترجمة للفلسفة اليونانية وعلومها في مقابلة مصطلح (الخلف)، طبقًا للتطورات التاريخية الآتية، والتي يجب معرفتها:

- فعند وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان جيل الصحابة -رضوان الله عليهم- محافظين على الدين غضًّا نقيًّا كما نزل، فتميز المسلمون في عهد الصحابة -رضي الله عنهم- في فترة ما بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنهم ظلوا على عهدهم محافظين، وبعرى الجماعة موثقين، ذلك منذ وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وفي ظل خلافة الشيخين، فلا نسمع أصواتًا معارضة ذات بال، فالإجماع منعقد وتام.

ثم انفرط عقد الجمع قليلًا واهتز في السنوات الأخيرة مِن خلافة عثمان -رضي الله عنه-، فشهدت ظهور بعض الآراء التي خالفتْ جماعة الصحابة في الفهم والاعتقاد: كالخوارج، والشيعة مِن بعدهم، وكانوا قلة لم يُأبه لهم؛ إذ إن جمهور المسلمين (أهل السُّنة والجماعة) هم الأكثر عددًا المجتمعون على سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلم يحتج الناس إلى لقبٍ أو اسمٍ؛ لأنهم هم الأصل؛ لذا لما سئل الإمام مالك -رحمه الله- عن تعريف أهل السنة والجماعة أجاب بقوله: "الذين ليس لهم لقب يُعرفون به؛ لا جهمي، ولا رافضي، ولا قدري... ".

- ثم لما كان عصر التابعين وتابعي التابعين أخذ العلماء بتدوين السُّنة مِن أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- وآثار الصحابة، وصار الآخذون بها والمقتدون بهديهم يطلق عليهم: "أهل الحديث والأثر"، وقد امتد هذا اللقب مِن أواخر عصر الصحابة إلى عصر بنى أمية، وفترة مِن حكم العباسيين في مقابلة مَن انحرف عن مسار السلف الصالح مِن أهل البدع والأهواء.

- ثم لما كان الأمر على رأس المئتين مِن الهجرة وازداد نفوذ المعتزلة الآخذون بعلم الكلام والفلسفة، صار المتمسك بطريقة أهل الحديث والأثر يُطلق عليه: "السني" في مقابلة المتبع لأهل علم الكلام "المعتزلي".

- ثم استفحل أمر المعتزلة -لا سيما في عهد الخليفة العباسي المأمون-، وصار علماء أهل السُّنة يُمتحنون في عقيدتهم، وكانت فتنة الإمام أحمد -رحمه الله- والتي تصدى فيها الإمام للقول بخلق القرآن متمسكًا بمنهج الاستدلال في إثبات أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وظهر ذلك في تمسكه بقوله لمناظريه: "أعطوني شيئًا من كتاب الله وسنة رسوله"، وقد ثبته الله -عز وجل- على ذلك حتى أُزيحت الغمة، وقد صار لقب: "حنبلي" يُطلق في مقابلة "معتزلي".

وللحديث بقية -بإذن الله-.