معالم في السلفية (1)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن المتأمل في أحوال الأمة الإسلامية الأن يجد تكالبًا عجيبًا على المنهج السلفي وأتباعه في كل مكانٍ مِن أصحاب الأجندات الفكرية المختلفة، والتي تهدف إلى إبعاد الناس عن هذا المنهج الإصلاحي النقي، ووضع صورة ذهنية سيئة عنه عند الأجيال الحالية، والحرص على تشويهه عند الأجيال الناشئة بوصفه بأوصاف منفرة: كالتعصب والجمود والتخلف والرجعية، وإهمال العقل، والحط مِن قيمته مع الإغراق في المثالية والبعد عن الواقعية، واتهامه بالتأصيل للجماعات الصدامية التكفيرية، وغيرها مِن التهم المعلبة الجاهزة التي يستخدمونها؛ لضمان عدم انتشار هذا المنهج المبارك والعمل على اضمحلاله مستقبلًا حتى لا يزاحمها على عقول الناس ونفوسهم مستغلين في ذلك جهل الكثير مِن الأجيال الحالية والناشئة بمعالم وقواعد وأصول هذا المنهج السلفي الإصلاحي المبارك ونسبة نشأته.

لذلك فإن الحاجة ملحة لبيان معالم وقواعد وأصول هذا المنهج؛ للأسباب الأتية:

- بيان الصورة الحقيقية لهذا المنهج الفكري وهذه الدعوة الإصلاحية وإزاحة هذا الضباب وهذه الشبهات التي يطرحها المتحاملون على السلفية والسلفيين حتى صار هناك ما يسمَّى -لا سيما في هذه الأوقات-: "سلفـّوبيا".

- الناس اليوم أحوج ما يكونون إلى التمسك بالمنهج السلفي، والتزام هدي السلف في العقيدة والعبادات، والعادات والأخلاق والسلوكيات، وبالعلم النافع والعمل الصالح، والتعرف على موقف المنهج السلفي مِن القضايا التي تقوم عليها حياة الناس المعاصرة حتى تعود الأمة إلى علوها وقيادتها للبشرية.

- لأهمية رسم حدود وإظهار معالم هذا المنهج القويم -لاسيما مع ما نراه مِن تنامي مسمى التيار السلفي وسهولة ادعاء الكثير الانتساب إليه- وذلك حتى ُيلزم الرجال به فلا تختلط الأوراق والمفاهيم، وتكثر الدعاوى والادعاءات بلا بيناتٍ ولا براهين.

أولًا: مفهوم المنهج السلفي:

مصطلح المنهج السلفي ينقسم إلى حدين:

(الأول): وهو المنهج. (الثاني): السلفي وهو نسبة إلى السلف.

- فالمنهج لغة: هو الطريق أو الطريقة.

واصطلاحًا: هو الطريق الواضح الذي يُتبع للوصول إلى غاية محدودة، أو هو مجموعة القواعد والضوابط التي تمثِّل طريقة معينة للوصول للغاية المرجوة.

والسلف لغة: يطلق على كل ما مضى وتقدم، وسلف الرجل: آباؤه المتقدمون وقرابته الذين فوقه في السن والفضل، كما قال -تعالى-: (فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة:275).

- واصطلاحًا: هم الصحابة -رضوان الله عليهم-، والتابعون مِن بعدهم ومَن تبعهم بإحسان، ملتزمًا بما كانوا عليه مِن الهدي والإيمان والدين الكامل.

وعلى هذا فالسلفي: هو مَن التزم بما كان عليه الصحابة ومَن تبعهم بإحسان؛ اعتقادًا وفهمًا للدين، وعملًا به ودعوةً إليه، وليس بسلفي مَن خالف هديهم وإن عاش بيْن أظهر الصحابة والتابعين وتابعي التابعين.

- وعلى هذا أيضًا فإن السلفية كمنهج: ليستْ حكرًا على فئةٍ مِن الناس دون غيرهم؛ لأنها هي الإسلام نفسه كتابًا وسنة بفهم القرون الخيرية مِن الصحابة والتابعين، ومَن سار على نهجهم في كل زمان ومكان، وهي كذلك ليستْ فترة زمنية محدودة، ولا مرحلة تاريخية منتهية، ولا هي مرادفة لمصطلح الأصولية fundamentalism، والذي يروج له في الغرب كمرادف للوحشية والجمود والانغلاق أمام تيار التجديد عندهم في القرون الوسطى.

فالأصولية: لفظة غربية لها مدلولها الخاص على طائفةٍ مِن البروتستانت المتجمدين على نصوص الإنجيل المحرف، المتنكرين لإنجازات العصر، الذين يصطدمون بكل مَن يخالفهم في منهجهم فيكفرونه ويسعون لفرض طريقتهم على المجتمع بالقوة، وهذا لا ينطبق على السلفية لا مِن قريبٍ ولا مِن بعيدٍ، وما يطلق على السلفية ذلك إلا ويُراد به التشويه والتخويف.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.