أدب الحوار (7)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فـنستكمل حديثنا في هذا الجزء مع الأدب السابع مِن آداب الحوار، بعد أن أوضحنا سابقًا ستة آداب مِن آداب الحوار متمثلة في:

1- الإخلاص والإنصاف عند المحاورة.

2- الإلمام بالمَسّألة المتحاور فيها.

3- تحديد موضوع النقاش وتحرير محل النزاع فيه.

4- الحرص على التكافؤ بين المتحاورين.

5- فهم كلام الطرف الآخر فهماً صحيحًا.

6- الابتعاد في الحوار عن الأسباب المؤدية إلى سوء الفهم.

وها نحن نشرع الآن -بإذن الله وعونه- في ذكر الأدب السابع.

7- الحرص على الهدوء عند الحوار:

الحوار الناجح؛ هو ذاك الحوار الذي يتسم المتحاوران فيه بالاتزان والهدوء، فحدة المزاج وانفلات الأعصاب وارتفاع الأصوات أثناء الحوار يفسد أكثر مما يصلح؛ مما يتطلب معه الحرص الشديد على الهدوء أثناء الحوار، بل والحرص على اختيار شخصيات موسومة بهدوء الطبع في الأصل ذوي خلق عال، وثبات انفعالي جيد؛ لاسيما أن الطبائع الكامنة في النفوس تميل غالبًا أثناء النقاشات والمناظرات إلى الغليان والانفعال، والعصبية واندفاع الكلمات، بل أحيانًا إلى التهكم والسخرية بأقوال الآخر.

ويعد الصراخ وعلو الصوت مِن أخطر آفات الحوار؛ لأنه يؤدي إلى فقد الحوار لثمرته المرجوة مع ما يترتب على ذلك مِن إفسادٍ للعلاقات بيْن المتحاورين.

وللأسف فإن مِن المفاهيم الخاطئة: أن يظن البعض أن الحوار -مثلًا- مع أهل البدع يقتضي إظهار الغضب ورفع الصوت وتقطيب الجبين، وكأن هذا هو مقتضى نصرة الحق، وهذا غير صحيح؛ لأن الغرض مِن الحوار هو إظهار الحق، وإقناع المحاور والمستمع بهذا الحق.

ولذلك لما أمر الله -عز وجل- موسى -عليه السلام- بالذهاب إلى فرعون لمحاورته في بني إسرائيل -وهو مَن هو في الكفر والطغيان-، قال الله -تعالى- له ولأخيه: (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى . فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) (طه:43-44)، فأمره بالقول اللين الذي يَستلزم الهدوء وحسن العرض، بعدم رفع الصوت وإظهار الغضب؛ لعله ينتفع بما يسمع.

وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن القيم -رحمه الله-: "الغضب نوعٌ مِن الغلق تستغلق به على الإنسان الأمور، وكيف يأتي المرء بحجة أو ينقض حجة للخصم إذا كان في حال الغضب، الغضب عدو العقل وهو للعقل كالذئب للشاة قلما يتمكن منه إلا اغتال العقل" (إغاثة اللهفان).

وصدق القائل في ذلك حين قال:

إذا مـا كـنـت ذا فـضـلٍ وعلـمٍ            بما اختلف الأوائل والأواخـر

فناظـر مَن تناظر في سـكـونٍ            حليــمًا لا تلـــح ولا تكـــــابـر

يـفيدك ما استفاد بلا امتـنـانٍ             من الـنكـت اللطيفة والنـوادر