الفتح | خطوات على طريق النصر وبناء أمة على المسميات الشرعية 6

خطوات على طريق النصر وبناء أمة على المسميات الشرعية 6

كتــبه : نور الدين عيد

نور الدين عيد

الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، أما بعد :
فإن مصطلح النفاق الذى ذكرنا نوعيه لحاجتنا لبيانه، حتى لا نخلط بين النوعين الاعتقادي المخرج من الملة والعملي الذى دونه، فإننا بحاجة إلى استئصال كلا النوعين منا، ومجاهدة النفس على نبذهما، وهذا يلزمنا بعرض صفاته تفصيلاً،حتى نحذرها، ونقيس أنفسنا عليها قرباً وبعداً، اجتناباً واقترافاً .

فإن النوع العملي منه وإن تعلق بأعمال الظاهر غير أنه من شعبه، كما تقرر عند أهل السنة أن المعاصي من شعب الكفر وإن لم تخرج صاحبها من الإيمان كما أن الطاعات من شعب الإيمان، فقد يتلبس بشعبة من المعاصىي تذهب به للكفر والعياذ بالله، وإن كانت فى نفسها لا تخرجه عن الإيمان قال ابن القيم رحمه الله : "وكذلك الكفر ذو أصل وشعب، فكما أن شعب الإيمان إيمان فشعب الكفر كفر، والحياء شعبة من الإيمان، وقلة الحياء شعبة من شعب الكفر، والصدق شعبة من شعب الإيمان،والكذب شعبة من شعب الكفر .....ثم قال : والمعاصى كلها من شعب الكفر كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان " الصلاة وحكم تاركها 36.

إن الصفات الواردة فى المنافقين فى كتاب الله تعالى :
منها : ما هو ملازم للمنافق لاينفك عنه بل ركنية نفاقه منه، ومنها :ما يحدثه حيناً ويتركه حيناً حتى يلائم الحال ويساير الوضع .

من هذه السمات التى تُبنى شخصية المنافق عليها:
أحدها : (ادعاء الإيمان كذباً وزوراً حتى يستتر خلفه، وباطنه يكذبه ) : قال الله تعالى : "ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين " قال الطبرى رحمه الله : "وأجمع أهل التأويل على أن هذه الآية نزلت فى قوم من أهل النفاق وأن هذه الصفة صفتهم " جامع البيان (1_149) . قال الربيع بن أنس رحمه الله :"فى قوله تعالى :" ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر ....." إلى قوله تعالى : "فزادهم الله مرضاً ولهم عذاب أليم " قال هؤلاء أهل النفاق . تفسير ابن كثير (1_51) فهذه العلامة أصل في تكوينهم .

وإنما يظهر المنافق الإيمان لأسباب :
منها : أن يدفع عن نفسه الأذى : فعن أبي هريرةرضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله و أني رسول الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم و أموالهم إلا بحقها و حسابهم على الله" متفق عليه وهو حديث متواتر، لذلك لم يكن مثل هذا الوصف فى المؤمنين فى مكة لتعرضهم للتنكيل والبطش وانتفى سبب النفاق، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فإنه من حين هاجر النبى صلى الله عليه وسلم، صار الناس ثلاثة أصناف، إما مؤمن، وإما كافر مظهر لكفره، وإما منافق، بخلاف ماكانوا وهو بمكة فإنه لم يكن هناك منافق .

ولهذا قال أحمد بن حنبل وغيره: لم يكن من المهاجرين منافق، وإنما كان النفاق فى قبائل الأنصار، فإن مكة كانت للكفار، مستولين عليها فلا يؤمن ويهاجر إلا من هو مؤمن، ليس هناك داع يدعو إلى النفاق، والمدينة آمن بها أهل الشوكة فصار للمؤمنين بها عز ومنعة بالأنصار، فمن لم يظهر الإيمان آذوه، فاحتاج المنافقون إلى إظهار الإيمان، مع أن قلوبهم لم تؤمن " مجموع الفتاوى (7_201) فصاروا بلبس القناع آمنين، وبالزعم مؤمنين، هكذا اعتقدوا وعليه ساروا، فعاملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بظاهرهم، وعوملوا كما يعامل المسلمون فى مناكحتهم وإرثهم وظاهر المعاملات بين المسلمين قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : "والمسلمون يناكحونهم ويوارثونهم كما كان المنافقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولم يحكم النبى صلى الله عليه وسلم فى المنافقين بحكم الكفار المظهرين للكفر، لا فى مناكحتهم ولا موارثتهم ولا نحو ذلك، بل لما مات عبد الله بن أبى بن سلول وهو من أشهر الناس بالنفاق، ورثه ابنه عبد الله وهو من خيار المؤمنين، وكذلك سائر من كان يموت منهم، يرثه ورثته المؤمنون، وإذا مات لأحدهم وارث ورثوه مع المسلمين " وقال أيضاً : "وكذلك كانوا فى الحقوق والحدود كسائر المسلمين " الفتاوى (7-210).

ومنها : طلب المكانة التى لايبلغها إلا بالتزيي بالإيمان : فإن الأصل عند المنافق الدنيا، لها يعمل، وإليها يسعى، ولها يفنى عمره، فإنه قد يحول بينه وبينها فساد نيته وخبث سريرته، فيضطر لإخفاء ما يعتقد دفعاً لمفسدة ذهاب منزلته أو جلباً لرفعة سبيلها بخلاف طويته، فقد يدعو للإسلام وينافح عنه لتحصيل المنزلة، كما روى ابن هشام فى السيرة النبوية (3_153) : "أن عبد الله بن أبى بن سلول كان له مقام يقومه كل جمعة _لاينكر شرفاً له فى نفسه وفى قومه، وكان فيهم شريفاً_ إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم الجمعة وهو يخطب الناس، قام عبد الله بن أبى فقال : أيها الناس، هذا رسول الله بين أظهركم، أكرمكم الله وأعزكم به، فانصروه وعزرةه، واسمعوا له وأطيعوا له، ثم يجلس " وهذا العمل ماقامه إلا نفاقاً مع بغض رسول الله فى قلبه، ولكنه قامه طلباً لمنزلته، قال ابنرجب الحنبلى رحمه الله : "ومن أعظم خصال النفاق العملى : أن يعمل الإنسان عملاً ويظهر أنه قصد به الخير، وإنما عمله ليتوصل به إلى غرض سىء، فيتم له ذلك، ويتوصل بهذه الخديعة إلى غرضه، ويفرح بمكره وخداعه، وحمد الناس له على ما أظهره، وهذا ماحكاه الله فى القرآن عن المنافقين واليهود، فحكى عن المنافقين أنهم : " اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله " جامع العلوم والحكم 378، فقد يقوم المنافق بالبذل وإظهار كل تضحية للوصول إلى غرض دنيوى مصلحى له، وهذا مما ينبغى الحذر منه والخوف من عاقبته، فكم من قربة لله امتطيناها لدنيانا، وكم من تشوف إلى جاه كان سُلمه التعبد والتصنع .

ومنها : الحصاد والمشاركة لأهل الإيمان : فقد يحمله طمعه فيما فى أيدى المؤمنين أن يشابههم ظاهراً حتى يصيبه مغنمهم وفيئهم، قال الله عز وجل : " الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم " فقد جمعوا بين التربص وهو حب زوال دولتهم وملتهم، وبين التودد للمسلمين بأنهم منهم ومعهم يستحقون ما اشتركوا فيه مع الموحدين، وهذا يجسد نفساً خبيثةً، لاتعرف إلا مصلحتها وهواها، كما قال سبحانه وتعالى : "سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا" قال ابن كثير رحمه الله : "يقول تعالى مخبرا عن الأعراب الذين تخلفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الحديبية، إذ ذهب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى خيبر يفتتحونها: أنهم يسألون أن يخرجوا معهم إلى المغنم، وقد تخلفوا عن وقت محاربة الأعداء ومجالدتهم ومصابرتهم، فأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم ألا يأذن لهم في ذلك، معاقبة لهم من جنس ذنبهم. فإن الله تعالى قد وعد أهل الحديبية بمغانم خيبر وحدهم لا يشركهم فيها غيرهم من الأعراب المتخلفين" تفسير القرآن العظيم (4_192).


وتبقى أسباب أُخر نوردها فيما يقدم، إن قُدر للقلم كتابة ولكاتبه أجلاً، والله أسأل أن يكتب لنا براءة من الكفر وبراءة من النار، إنه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل، والحمد لله رب العالمين .