الفتح | على رسلكم يا أصحاب العاطفة

على رسلكم يا أصحاب العاطفة

كتــبه : أحمد مصطفى أبو عطا

إن عاطفة حب الدين ثم الوطن والحزن لما يحل بهما من مصيبة أو تأخر؛ عاطفة محمودة وهي الوقود الحقيقي لصاحبها الذي يدفعه إلى العمل والبذل بشرط أن تنضبط هذه العاطفة بميزان الشرع وتهدأ بكابح العقل حتى لا يدور الإنسان في فلك حزنه فيخبطَ خبط عشواء ويَفسد أمره.

ولنا في موقف أبي بكر مع عمر رضي الله عنهما بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - أبلغ الأمثال في التحكم في العاطفة وترشيدها ..

فها هو عمر - ثاني الخلفاء الراشدين أمير المؤمنين - يثور بعاطفته عند سماعه خبر موت النبي - صلى الله عليه وسلم - فيقول : (والله ما مات رسول الله وليبعثنه الله فلَيقطَعن أيدي رجال وارجلهم)، حتى يدركه صوت أبي بكر رضي الله عنهما بثبات عجيب ليوقفه على الواقع - واقع أعظم مصيبة حلت بالبشرية - قائلاً : (أيها الحالف على رسلك) ، ثم حمد الله وأثنى عليه وقال : (من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌ لا يموت) ، وتلا قوله تعالى : "إنك ميت وإنهم ميتون" ثم قوله تعالى : "وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم" ، قال عمر: (وإِنها لفي كتاب الله ما شعرت أنها في كتاب الله) ، وقال كذلك: (فوالله ما قرأها حتى عَقِلتُ فما تُقِلني رِجلاي)، فكأن عمر لا يعلم هذه الآية لأنه قد نسيها من هول صدمته بأعظم مصاب.

فالجامع المشترك بين الصديق والفاروق حزنهما الشديد على موت النبي - صلى الله عليه وسلم - لحبهما الشديد له ولأنها أعظم مصيبةٍ على الإطلاق، لكن الصديق ولأنه أعلم الأمة وأحكمها بعد نبيها - صلى الله عليه وسلم - تعامل مع الموقف بما يقتضيه من عقل وحكمة دون تغليب للعاطفة، وفي هذا الموقف يقول ابن بطال عن الصديق: (وبان بهذه الرزية الشنيعة والمصيبة الجليلة النازلة بالأمة من موت نبيها من ثبات نفس الصديق، ووفور عقله ومكانته من الإسلام ما لا مطمع فيه لأحد غيره).

واليوم لازال يثور كثير من أبناء التيار الإسلامي بعاطفتهم دون وعي للمآلات ودون إدراك لأبسط حقائق الواقع، مصممين على زيادة الخسائر على مستوى الدعوة والوطن، دون أن يفيقوا من ثورة هذه العاطفة التي أورثت فساد التصور وأدت إلى انسداد الرؤية نحو الإصلاح، وما أحوجهم لقولة الصديق الواقعية : على رسلكم.

إن عاطفية الطرح الإعلامي التي تتشربها قلوب هؤلاء الشباب تورث ردة فعل نفسية عكسية سيئة للغاية حال تبخر أحلامهم العاطفية تحت شمس الواقع.

أشفق بشدة وبألم على شباب التيار الإسلامي الذي يسير خلف أحلام الشرعية من اليأس الذي بدأ يدب إلى قلبه الآن، والذي بدأ يظهر في عباراته عن المجتمع الجاهلي وتكفير المسلمين واستخدام العنف أوالرغبة الملحة عند قطاع عريض منه في الهجرة، ولو إلى جهنم هروبا مما يراه هو هنا جحيما أشد منها، وأخشى ما أخشاه حال عودة الإخوان بعد سنين عجاف للساحة السياسية مع النظام الذي وسموه بـ"الانقلابي" أن تنضم فئات كبيرة من هذا الشباب إما إلى فرق التكفير والتفجير أوإلى قوافل الشباب المغيب البعيد عن كل ما هو في طاعة الله لأنهم للأسف الشديد آنذاك سيكونون قد فقدوا الثقة .. فقدوها في كل أحد.