الفتح | معركة استقطاب الشباب السلفي (1) التيار المدخلي

معركة استقطاب الشباب السلفي (1) التيار المدخلي

كتــبه : إسماعيل الغندوري

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

قبل ثورة الخامس والعشرين من يناير كان السلفيون منعزلين عن الممارسات السياسية في الشارع المصري، حيث كانت تقتصر علاقة بعضهم بالسياسة على مجرد البيان باللسان مع تفاوت في هذا الخطاب بين الشدة واللين.

فكان اتجاه منهم ما زال موجودا يرى حرمة المشاركة السياسية مطلقا وكان يرى مَن يزاحم لأخذ مقاعد في البرلمان أو النقابات أو حتى من يتجرأ وينصح الحاكم جهرا أو يتناول سياسات الدولة بالنقد: كان يراهم من الخوارج على الحاكم، وأنهم مبتدعة وأنهم سيغرقون مصر وأن الذي لا يراهم كذلك فهو منهم ومثلهم، لكنه يتزيا بزي السلفيين لكنه في الحقيقة خارجي، وكان هجوم هذا التيار ينصب على من يخالفونهم فكريا من أبناء التيار الإسلامي، بيد أنهم كانوا لا يتناولون أحدا من العلمانيين بالنقد اللهم إلا على استحياء إن وجد.

وهذا التيار هو المسمى إعلاميا بالمداخلة، وكانت تفتح لهم المساجد قبل 25يناير، وكانت قضيتهم ساعتها: أن رئيس الجمهورية ولي أمر شرعي، لا يجوز الخروج عليه؛ حتى إن أحدهم في أحد الجولات الانتخابية علق إعلانا أنه يبايع فلانا (أحد الرؤساء السابقين) أميرا للمؤمنين، ولم يوافق الأمن ساعتها على هذا، كما أفتى أيضا أن من رشح نفسه أمام الرئيس في هذا الوقت يجب قتله محتجا بحديث (اضربوه بالسيف كائنا من كان).

هذا التيار لم يلق رواجا كبيرا في فترة ما قبل الخامس والعشرين من يناير في أوساط الشباب بل كان انتشاره ضعيفا، حيث كان الشباب يرى الفساد الذي يملأ البلاد والمحسوبيات والقمع ينتشر في أرجاء مصر، والحال يتطور من سيء إلى أسوأ، والشباب في داخله ثورة ينتظر من يساعده على إخراجها.

وجاءت ثورة الخامس والعشرين من يناير وكادت تقضي على هذا التيار، حيث انفض كثير من الشباب من حولهم، ورأى أن ما يُنَظّرون له يصادم الواقع الذي يحيونه، ويصادم الطموح الذي هو سمة من سمات هذه المرحلة العمرية، وعرفوا أنه يعيش في الخيال والأوهام، ويطلب منهم أن يظلوا في مساجدهم يعكفون على الكتب حتى يأتي لهم من يخلصهم مما هم فيه - صنيع الدراويش -، محتجين ببعض الأحاديث التي أخطأوا فهمها واجتزءوها من باقي النصوص، فرووا أحاديث الصبر على الإمام الغشوم الظالم، ونسوا أحاديث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونظروا إلى بدع أبناء التيار الإسلامي، ونسوا بدع العلمانية وغيرها، وهكذا. نظروا إلى الواقع وتعاملوا معه بسلبية، وانعزلوا عنه بحجة (فاعتزل تلك الفرق كلها) ولم يتحركوا لتغيير هذا الواقع.

ثم جاءت فترة حكم الإخوان فازداد ضعف هذا التيار ضعفا ووهنهم وهنا، حيث أُسقِط في أيديهم، ورأوا في حكم الإخوان نهايتهم، حيث إنهم يحاربون الإخوان حربا شعواء لمدة تزيد على عشر سنوات، وقد أمسك الإخوان السلطة فسيأخذوا الثأر، وقام خطيبهم يخطب خطبة اليائس الذي ينشد الناس أن يدركوا الخطر الذي سيقع على رأسه وعلى تياره لو حكم الإخوان مصر، وأخذ يستعدي فئات الدولة المختلفة ضدهم، ويصرخ في خطبته، ظانا منه أنهم سيقتلوه، وإذا قتلوه فسيتولى الله قتيل الإخوان (الشهيد)، ونجح الإخوان في الوصول إلى السلطة، ولم تفلح مناشدته.

كان الإخوان في هذا الوقت يعلمون جيدا أن هذا التيار غير مؤثر في أرض الواقع بالمرة، فلم يأبهوا له ولم يضيقوا عليه بل أهملوه تماما، وكان خطيب التيار المفوه ينسى أحيانا تأصيلاته القديمه التي تحرم نصح الحاكم وتناول سياسات الدولة علنا، وأنه نوع من الخروج على الحاكم بالقول، فكان يهاجم الإخوان على المنبر متعللا بأن الرئيس لكل المصريين وليس لتيار معين ..إلخ.؛ مع أن فضيلته ما كان يفعل مثل هذا مع الحزب الوطني في العصر الأسبق، وكان نقده يزداد عند شعوره بضعف سلطة الإخوان ويخف إذا علا صوتهم بطريقته الأدبية الشهيرة.

وأساء الإخوان أيما إساءة في إدارتهم للدولة، وتعاملوا معها بطريقة لا تمت للحكمة بصلة، واستمروا في صلفهم وعنادهم حتى سقطوا سقطة مريعة كادوا أن يُسقِطوا معها الوطن والعمل الإسلامي كله لولا أن الله سلّم.

وكان سقوط الإخوان بهذه الطريقة بمثابة قبلة حياة لهذا التيار، وعاد هذا التيار ليستقطب جزءًا من الشباب السلفي الذي يأس من مما رسة السياسة وفقد الأمل في أي فائدة تعود من ورائها، وارتمى في أحضانه متأثرا بأخطاء الإخوان، مقرا ومعترفا أن هذا التيار – المدخلي - كان على الحق المبين في كل ما يقوله، وأبدى ندمه على عدم انتهاجه لطريقتهم من البداية، وأن كل ما كانوا يقولونه أصبح واقعا؛ فاتبعهم ومشى في طريقه، غافلا أو متغافلا عن أن سبب ماحدث هو فساد منهج الإخوان وعدم استجابتهم لنصح من نصحهم، وليس السبب فيما وقع هو صحة منهج التيار المدخلي.

استقطب هذا التيار مجموعة كبيرة من أبناء الشباب السلفي، الذي أصابه اليأس بسبب ما حدث، واقتنع أن العكوف على الكتب دون أي مشاركة في العمل السياسي أو في حياة الناس هو المخرج مما نحن فيه، حتى يأتي الفرج من عند الله أو حت يستريح برٌّ أو يستراح من فاجر، والله المستعان.
كان هذا طرف من الأطراف التي استقطبت شباب التيار السلفي بعد ماحدث في 30يونيو وما بعدها من أحداث.

بينما كان هناك أطراف أخرى منها ما هو على النقيض تماما من هذا التيار استقطبت الجزء الأكبر من شباب التيار السلفي، وجعلته ما بين قتيل وسجين أو هارب أو منتظر للسجن في أي وقت من الأوقات، وهذا ما نتحدث عنه إن شاء الله فيما بعد إن شاء الله تعالى.

ونسأل الله أن يهدينا وجميع إخواننا إلى ما يحبه ويرضاه، وأن يعيننا على إصلاح أنفسنا، وعلى إصلاح ذات بيننا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.