الفتح | أنواع النصر والتمكين من رب العالمين

أنواع النصر والتمكين من رب العالمين

كتــبه : نور الدين عيد

الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله؛ وبعد:

فإن من أعظم الداء في فترات الاستضعاف الذي يصيب أمتنا: اليأس واستبطاء النصر من الله، وهذا قد يفتت في عضدها ويبطىء من سيرها في تحصيل أسباب النصرة من الله.


فمن أعظم منن الله سبحانه وتعالى أن حصر النصر عنده قال الله: "وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم"؛ فكان بأمره ينصر هؤلاء ويهزم هؤلاء، ويظهر هؤلاء ويمحق هؤلاء قال الله: "وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين"؛ لكمال قدرته وعلمه وحكمته، فمع ضعف وفقر وعوزة المنصور ينصره قال الله: "قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون" فإن أجار عبدا لم يصل إليه كل الخلق بمكروه، وإن طلب أحدا بعقوبة لم يدفع عنه كل الخلق كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصيته لابن عباس رضى الله عنهما: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيءٍ لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.


فالخير كله بيده عز وجل لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، قال تعالى: "وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ" "وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا"، وفي حديث أبي ذر رضى الله عنه: (يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم، ياعبادي! كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم) رواه مسلم.


ومما ينبغى ذكره دوما، اعتقادا ودعوة؛ أن أسباب النصرة ليست محصورة في مقاتلة العدو بالسيف والسنان، فإن لازمه ذهاب ضعفاء المسلمين وزوالهم أمام قوة وبأس عدوهم وهذا سوء ظن بالله، فإن الله قد نصر أقواما بأنواع متنوعة من النصرة مع وجود الفاقة والضعف والذلة والقلة قال الله تعالى: "ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون" وقال سبحانه: "كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين".


فقد تنصر الأمة من الله بأنواع:

- منها أسباب نصرها من فنون القتال وقوة البأس كما وقع منه صلى الله عليه وسلم في مواجهته الكفار في الغزو وتجهيز الجيش وترتيب الجند ووضع الخطط، قال الله: "قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم".

- وقد تنصر ببلوغ عدوها درجة الزوال والمحق فاستجلب السخط من الله بفعله كما قال الله تعالى: "فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين. فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين" قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: { آسفونا } أسخطونا.

وقال الضحاك، عنه: أغضبونا، قال الشوكانى رحمه الله: { وَمَثَلاً لّلآخِرِينَ } أي: عبرة، وموعظة لمن يأتي بعدهم، أو قصة عجيبة تجري مجرى الأمثال .

- وقد ينصر الله الضعفاء من عباده بقذف الرعب في قلوب أعداءه قال الله: "سنلقى في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله مالم ينزل به سلطانا" وقال صلى الله عليه وسلم: "نصرت بالرعب مسيرة شهر" وما وقع هذا إ? لصدق توكل القلب على الله وصحة الو?ية له "بل الله مو?كم وهو خير الناصرين" ولقد كان يفر ملوك الفرس والروم من ذكره أئمة المسلمين وقادتهم لما معهم من الو?ء لربهم فلما قدمت الدنيا وكره الموت وعظم الوهن نزعت المهابة من قلوب عدونا منا.

- وقد تنصر بدعاء مخلصيها وصلوات ساجديها وقرابين عابديها كما ورد عن مصعب بن سعد قال: رأى سعد رضي الله عنه أن له فضلاً على من دونه، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم» رواه البخارى ، وفي رواية: أنه ظن أن له فضلاً على من دونه من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها: بدعوتهم، وصلاتهم، وإخلاصهم» رواه النسائى وله شاهد من حديث أبى الدرداء عند أحمد والنسائي بلفظ "إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم". قال ابن بطال رحمه الله: تأويل الحديث أن الضعفاء أشد إخلاصا في الدعاء وأكثر خشوعا في العبادة لخلاء قلوبهم عن التعلق بزخرف الدنيا، وقال المهلب أراد صلى الله عليه و سلم بذلك حض سعد على التواضع ونفي الزهو على غيره وترك احتقار المسلم في كل حالة.الفتح 6/89

وهذا أعظم أبواب اليقين في الله أنه يدفع عن الموحدين بخيرهم وعبادهم ومتنسكيهم لحالهم مع ربهم، فوالله لحاجة المسلمين إلى وجود هؤلاء فيهم أعظم من وجود آلة القتال معهم، فبدعوتهم يستمطرون النصر من السماء، وباستغاثتهم ينزل الغوث والمدد، وبافتقراهم ينزل الغنى والكفاية، وبسجودهم يستدفع عام العذاب وشديد العقاب، وقد وردت آثار في ذلك فيها ضعف: عن أبي هريرة عن النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ قال: "مهلا عن الله مهلا، فإنه لولا شيوخ ركع وشباب خشع وأطفال رضع وبهائم رتع لصب عليكم العذاب صبا" رواه أبو يعلى وقال حسين سليم أسد : إسناده ضعيف. وقد روى في مسند أحمد من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : "لولا ما في البيوت من النساء والذرية لأقمت صلاة العشاء وأمرت فتياني يحرقون ما في البيوت بالنار " قال الشيخ شعيب الأرنؤوط : صحيح وهذا إسناد ضعيف لضعف أبي معشر نجيح السندي .


فهذه أمة مرحومة منصورة لا تعدم من رحمة الله ونصرته أبدا، بل يتداركها رب العباد برحمته ونصرته كلما اشتدت عليها المحن واستغاثت به وحده لاشريك له، ففرجه قريب ونصره قادم. فعن ثوبان رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها وأعطيت الكنزين الأحمر والأصفر وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم وإن ربي قال يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من أقطارها أو قال ما بين أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا" رواه مسلم.


فمهما تمالأت قوى الشرق والغرب على أمتنا فلن يستأصلوا بيضتها ويوقفوا زحفها، فالله أكبر والكرة والجولة للإسلام وأهله والحمد لله رب العالمين.