الفتح | رَعيُ الجمال خير من رعي الخنازير

رَعيُ الجمال خير من رعي الخنازير

كتــبه : إسماعيل الغندوري

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد:

عندما ننظر إلى العالم الإسلامي من حولنا، ونرى تقسيم بلادنا الإسلامية على النحو المخطط له من أعدائنا، نتذكر تلك الكلمة المدوية والحكمة البليغة، التي صدع بها المعتمد بن عباد في وجه ملوك الطوائف في الأندلس، يوم أن أراد أن يتحد مع أخيه يوسف بن تاشفين ضد ألفونسو السادس، هذه الكلمة هي: (رعي الجمال خير من رعي الخنازير).

حين ننظر إلى ما فعله العدو الأكبر للمسلمين من التخلي عن حلفائه، في أول اختبار، حلفاؤه الذين سبحوا بحمده وبالغوا في امتثال أوامره والسعي في إرضائه؛ تدرك معنى قول الله عز وجل: "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم" البقرة : 120 . وقوله سبحانه: "ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا" البقرة: 217. ساعتها لا بد أن ندرك معنى: (رعي الجمال خير من رعي الخنازير).

حين نرى خيانات الشيعة وتحالفهم مع أعداء الأمة وسفكهم لدماء المسلمين، وقبل ذلك إفساد عقائدهم وأخلاقهم، وإثارة الزعزعة وهدم الاستقرار في بلادهم ندرك أن: (رعي الجمال خير من رعي الخنازير).

حين نتأمل ما حِيكَ لمصر من مخططات وما مرت به من فتن ومزالق لم ينجها منها إلا الله وحده، لا بد أن يدرك كل مسلم بصفة عامة وكل مصري بصفة خاصة أن عدونا لن يرحمنا ولن يحفظ لنا حقا ولا عهدا ولا ذمة، وملايين القتلى في بلاد المسلمين (العراق - سوريا - اليمن - فلسطين...) تخبركم بهذا.

وإليكم ما حدث في الأندلس فتأمل:

كانت الاندلس في القرن الرابع الهجري في قمة التقدم الحياتي والحضاري والسياسي والاقتصادي وكانت قرطبة عروس الاسلام وحاضرة الاندلس،
وفي القرن الخامس الهجري ضعفت دولة الأندلس لدرجة أن (الألفونسو) قد فرض على المسلمين الجزية تمهيدا لأخذ بلادهم والقضاء عليهم، مستغلا انشغالهم بالترف والتفرق الذي كان منتشرًا بينهم في هذا الوقت، واستيقظوا يوما على استيلاء الألفونسو على طليطلة.

ولما استولى ألفونسو على طليطلة أرسل إليه المعتمد الضريبة المعتادة فلم يقبلها منه، وأرسل تهديده بأن يسلمه جميع الحصون المنيعة، وأمعن في التجني.

وطلب ألفونسو دخول امرأته إلى جامع قرطبة لتلد فيه، إذ كانت حاملاً، لما أشار عليه القسيسون والأساقفة بذلك، وكان السفير في ذلك يهوديًا، فامتنع ابن عباد فراجعه اليهودي في ذلك وأغلظ في القول وواجهه بما لم يحتمله ابن عباد، فأخذ ابن عباد محبرة كانت بين يديه وضرب بها رأس اليهودي فأنزل دماغه في حلقه، وأمر به فصلب منكوساً بقرطبة.

وبلغ ألفونسو ما صنع ابن عباد فأقسم بآلهته ليغزونه بإشبيلية ، وكتب إليه مهدداً: (كثر بطول مقامي في مجلسي الذباب ، واشتد الحر فأتحفني من قصرك بمروحة أروح بها على نفسي وأطرد الذباب عن وجهي).

فرد عليه ابن عباد: (قرأت كتابك وفهمت خيلاءك وإعجابك، وسأنظر لك في مروحة من الجلود اللمطية [يشير ابن عباد إلى المرابطين] تروح منك لا تروح عليك إن شاء الله تعالى)، فلما وصلت الألفونسو رسالة ابن عباد وقرئت عليه أطرق إطراق من لم يخطر له ذلك ببال.
وفشا في الأندلس ما أظهره ابن عباد من العزيمة على جواز (يوسف بن تاشفين) أمير دولة المرابطين بالمغرب، والاستظهار به على العدو، فاستبشر الناس وفرحوا بذلك وفتحت لهم أبواب الآمال.

وأما ملوك الطوائف فقد أصابهم الهم، ومنهم من كاتبه ومنهم من كلمه مواجهة وحذروه عاقبة ذلك.

فأجابهم ابن عباد بكلمته التي أصبحت مثلاً: (رَعْيُ الجمال خير من رعي الخنازير)، ورددها لابنه قائلاً: (أي بني ، والله لا يسمع عني أبداً أنني أعدت الأندلس دار كفر ولا تركتها للنصارى ، فتقوم علي اللعنة في منابر الإسلام مثل ما قامت على غيري) ، وقال : (إن دهينا من مداخلة الأضداد لنا فأهون الأمرين أمر الملثمين – لقب المرابطين - ، ولأن يرعى أولادنا جمالهم أحب إليهم من أن يرعوا خنازير الفرنج)، وقال لبعض حاشيته لما خوفوه من ابن تاشفين : ( تالله إنني لأوثر أن أرعى الجمال لسلطان مراكش على أن أغدو تابعاً لملك النصارى وأن أؤدي له الجزية ، إن رعي الجمال خير من رعي الخنازير).

وما إن أرسل المعتمد رسوله إلى ابن تاشفين حتى أمر في الحال بعبور الجنود إلى الأندلس واجتمع بابن عباد في إشبيلية، وكتب إليه الألفونسو كتاباً يغلظ له في القول فكتب ابن تاشفين ـ رحمه الله ـ جواباً مختصراً على ظهر كتاب الألفونسو: [أما بعد: فإن الجواب ما تراه بعينك لا ما تسمعه بإذنك] فلما وقف عليه الألفونسو، ارتاع له، وعلم أنه بُلي برجل لا طاقة له به.

ثم التقى الجمعان واصطدم الجبلان بـ (الزلاقة) فانهزم اللألفونسو واستؤصل جمعه وقل من نجا، في رمضان سنة 479هـ.
وكان فعل المعتمد بن عباد هذا سببا في بقاء دولة الإندلس بعد هذه الموقعة أكثر من أربعمائة عام، بحكمة هذا الرجل ولإدراكه معنى أن (رعي الجمال خير من رعي الخنازير).

فأقول للساسة وللإخوان ومناصريهم وللشباب المسلم الذي أشعله الحماس، وللشباب الذي يفرط في الدعوة إلى الله وفي لم شمل المسلمين، وللمسلمين الذين يعادي بعضهم بعضا ويقتل بعضهم من أجل جاه أو كرسي، وأقول لمن يكفر المسلمين المختلفين معه سياسيا: (رعي الجمال خير من رعي الخنازير).

وأقول كذلك لهم: "إياكم أن تلعنكم منابر المسمين في بقاع الأرض أنكم قد أعدتم مصر دار كفر بعد أن كانت منارة للعالم الإسلامي يخرج منها إلى الآن الدعاة والعلماء الذين ينشرون دين الله في بقاع الأرض).

إخوتاه: اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم، واعلموا أن عدوكم لن يقيم لكم الدولة الإسلامية التي تريدون، ولن تقوم هذه الدولة بالدروشة ولا بالتهور.

احفظوها إن مصر إن تضع *** ضاع في الدنيا تراث المسلمين

اللهم احفظ مصر من الفتن ما ظهر منها وما بطن.