الفتح | ثقافة الصورة

ثقافة الصورة

كتــبه : شيماء عبد الحميد

صورة

منذ أن اخترع التلفاز لأول مره في عشرينيات القرن المنصرم في الولايات المتحدة الأمريكية؛ أحدث ضجة ثقافية حقيقية في وعي وإدراك الأفراد والمجتمع! والواقع أن عشق الإنسان للصورة وارتباطه بهان ربما يكون قديما من عمر أوثان قوم نوح! الحقيقة المرة أن صورة واحدة تكتب مئات الكلمات، وتؤثر بفيض لا نهائي من المشاعر على المتلقي؛ لذا فإن ما يحدث اليوم من طفرة مذهلة في الصور والخيالات على المستوى الإعلامي في السنيما والتلفاز وحتى مواقع النت يعيد تشكيل وعي البشر وينشأ جيلا متشربا العولمة في أكثر صورها فجاجة!

طفلنا الذي نتركه أمام التلفاز لساعات ليتابع الصور قبل أن يدرك الكلام، يفهم جيدًا نظرات الإعجاب وصور القلوب بين الدب والدبة! والقط والقطة ! وبطبيعة الحال يتفتح شعوره على علاقه إنسانية لم يبلغها خياله البريء بعد, طفلنا الصغير الذي لم يعد يعرف من أنواع الطعام إلا البيتزا والبرجر والإسباجتي! طفلنا الصغير الذي يشاهد مشاهد عنف و(الرزع) بمعدل 80 مشهد في الساعه تقريبًا! ثم بعد ذلك يكبر الطفل ليشاهد أفلامًا وصورًا من نوع آخر في مرحلة المراهقة؛ كلها عنف وقسوة، وملابس غريبة، وتسريحات عجيبة، وخلفيات سوداء أو بألوان فسفورية!

كل هذا في أفلام كرتون أيضا، ولكن ذات حبكة قوية جدًّا بشخصيات واقعية جدًّا، وعلاقات إنسانية في أغلب الأحيان لا تتفق مع قيمنا الإسلامية؛ من الطفولة والمراهقة تغيب ثقافة الكلمة والوعي الناتجة عن القيم, وينشأ النشىء في تيه الصورة البراقة!

واليوم دخل مكون جديد في هذا الإعلام وهو "العالم الإلكتروني" الذي أصبح يكون ويشكل ملامح جيل قادم من الشباب! وللأسف تتلخص فيه أقوى أشكال الفجاجة والاستقطاب وسوء الخلق، مع إعطاء معلومات كاذبة وإشاعات رخيصة يعيشها الشاب أو المراهق! ثم تأتي كارثية الأفلام السينمائية الرديئىة والسوقية لتشكل وعي الشباب أيضا! هذا التشكيل الحثيث للوعي في اتجاه الانفلات بكل ما تعنيه الكلمة هو صناعة حقيقية لإمبراطورية قوية تريد السيطرة على العالم بثقافة العولمة وإزالة الحواجز الثقافية بين الشعوب، أو تذكية ثقافة العشوائية في المجتمعات ليسهل بعد ذلك تمرير الهيمنة السياسية أو الاقتصادية للعولمة!

هذه المسخ المارد الذي يصنعه الإعلام والصورة بشكل عام يشكل وجدانًا مشوها وفطرًا منكوسة، ما تلبث أن تفرز نماذج مشوهة على أرض الواقع؛ فلا تفكير منطقي، ولا تصرف عقلاني، وإنما لهث دائم وراء الصور البراقة والاستهلاكية الفجة.

هنا يصبح دور المربي الواعي في قمة الصعوبة لأنه يحارب منظومة قيم رسخها الفساد وأِلف العادة؛ لكن إذا استطعنا الخروج من الدائرة المغلقة وتكوين إعلام راقٍ في مكونات الصورة والمضمون, مع توجيه النشأ إلى دور الكلمة المقروءة والمسموعة في تكوين الوعي والإدراك؛ ربما استطعنا بذلك الخروج من نمطية ثقافة الصورة.