الفتح | التقويم الهجري وأهميته في الحفاظ على الهوية الإسلامية

التقويم الهجري وأهميته في الحفاظ على الهوية الإسلامية

كتــبه : د. أحمد فريد

الأمة الإسلامية لا ترتبط بتاريخها أو تقويمها الهجري إلا في حالات الازدهار والتقدم.وإذا تتبعنا تاريخنا وتقويماتنا التاريخية، وجدنا أن ما قبل سقوط الخلافة كان يؤرَّخ له بالتاريخ الهجري، أو قبل سقوطها بقليل، حينما وُزع ميراث الدولة العثمانية، وصارت رجلاً مريضاً،فكان يؤرخ للأحداث والمعارك والوقائع والمواليد والوفيات بالتقويم الهجري.وبعد ترهل الحكم الإسلامي، وذهاب الخلافة الكبرى، تحولت الأمة إلى تاريخ آخر هو التاريخ الميلادي.

على أن تاريخ النصارى تاريخ روماني الأصل عدَّله بعض ملوك ورهبان النصارى، ونسبوه إلى ميلاد المسيح، عليه السلام، بعد مولده بستة قرون أو ثمانية قرون تقريباً، والأشهر الميلادية التي يدور عليها فلك هذا التاريخ تحمل في اشتقاقها ومعناها معاني وثنية، ذات ارتباط بآلهة الرومان وعظمائهم.

والمغلوب كما قيل يولع بتقليد الغالب، فقلدت الأمة الإسلامية، بعد أن صارت شبه أمة، غيرها من الأمم، وكان استخدام التاريخ الميلادي مظهراً من هذه المظاهر فأصبحت كل الدول العربية والإسلامية تؤرِّخ بتواريخ أخرى غير الهجري، باستثناء ما نجده في بلد كالمملكة العربية السعودية، وما من شك في أن التقويم الهجري هو هوية أمة، فالعبادات الإسلامية ترتبط بهذا التاريخ، حيث نجد الحج أشهراً معلومات، وهي هجرية، والصيام في رمضان، وهو شهر هجري، والزكاة لابد فيها أن يحول الحول الهجري، وعدة المطلقات بالتاريخ الهجري وغير ذلك.

وتاريخ حضارة أمة امتدت عبر ثلاثة عشر قرناً من الزمان لم نكن نؤرخ فيها إلا بهذا التأريخ، ومن هنا ارتبطت أمجادنا وأيامنا ومآثرنا بهذا التاريخ الذي تحولنا عنه إلى غيره نتيجة لأحوالنا وأوضاعنا، كأثر من آثار الغزو الفكري، الذي امتد في فراغنا.

ولا يحسبن أحد أن المسألة هامشية أو فرعية بحيث يعد الحديث عنها نوعاً من اللهو، أو خوضاً في الباطل، أو ضرباً من ضروب الترف الفكري، في الوقت الذي تعاني فيه الأمة من دماء تسيل، وأرواح تُزهق، وبيوت تُهدم، وأعراض تُنتهك، وغير ذلك مما يمكن أن نهوّن به من هذا الأمر، فقد استمرت المؤامرة لطمس التاريخ الهجري وإزالته وتجهيل الشعوب الإسلامية به قروناً متوالية، ففي القرن الثاني عشر الهجري الموافق للثامن عشر الميلادي عندما أرادت الدولة العثمانية تحديث جيشها وسلاحها طلبت مساعدة الدول الأوروبية العظمى، فرنسا وألمانيا وانجلترا.. إلخ، فوافقوا على مساعدتها لشروط منها إلغاء التقويم الهجري في الدولة العثمانية فرضخت لضغوطهم.

وفي القرن الثالث عشر الهجري التاسع عشر الميلادي عندما أراد خديوي مصر أن يقترض مبلغاً من الذهب من انجلترا وفرنسا لتغطية مصاريف فتح قناة السويس، اشترطتا عليه ستة شروط، منها: إلغاء التقويم الهجري في مصر، فتم إلغاؤه سنة 1292هـ - 1875م واستبدل التقويم القبطي الميلادي به.

فلن تفيق أمتنا إلا إذا استضاءت بهذا التاريخ العريق، واستحضرت كل أيام السنة الهجرية، ونظرت في أحداثها نظر المتأمل المتفحص الواعي، الذي يحيي التاريخ، ثم يعبر إلى واقعه المعاصر بدروس تضيء دروبه، وتمهد له السبل، من أجل هذا وجدنا المؤرخين والحكماء يقولون من "وعى التاريخ في صدره أضاف أعماراً إلى عمرِه، ومن لم يعِ التاريخ في صدره لم يدر حلو العيش من مرِّه"، وذلك لأن التاريخ تجارب تضيف إلى وعي الإنسان وتجاربه تجارباً مضاعفة، وتمد في عمره أعماراً طويلة، وتُبين له مواضع العثرات، ومكامن الخلل، وتُبرز له أسباب القوة وعلامات العافية، فالتاريخ هو الذي نستكشف به ما تحت أقدامنا ونستبصر به واقعنا ونستصحبه لنستشرف به مستقبلنا.

1- باختصار من مقال بعنوان "التقويم الهجري هوية أمة وتاريخ حضارة" لحسن العيسوي إبراهيم