الفتح | جغرافيا الحرب الأهلية

جغرافيا الحرب الأهلية

كتــبه : محمد كمال الباز

عدة أسئلة بريئة:هل نعيش حربا أهلية؟ هل نحن مهددون بحرب أهلية؟ وأخيرًا ما هى الحرب الأهلية أصلا؟ليست أسئلة رفاهية أو ترفًا علميًا، فالأطراف المرتبطة بما تعيشه مصر تدندن حول هذا المصطلح بين متهم بافتعال حرب أهلية، وبين متدخل ليمنعها حسب تصوره إما سياسيًا أو عسكريًا وأمنيًا.

بغير إسهاب فى تحليل المصطلح وتحليل الظروف السياسية التى أحاطت بالكثير من الحروب الأهلية الشهيرة كالحرب الأهلية الأمريكية (1861-1865 ) أو الأسبانية (1936-1939) مثال، سنتناول أمرًا جغرافيًا مشتركًا بين كافة الحروب الأهلية رغم اختلاف المكان والزمان وهو "التحيز"، بمعنى وجود حيز لكل طرف من الأطراف المتحاربة يأوى إليه ويحتمى فيه عند اشتداد المعارك، يجمع فيه غنائمه وينقل إليه أسراه ويعالج فيه جرحاه، ويظل هذا الحيز بمأمن نوعًا ما من غائلة الأطراف الأخرى، بل قد تلتزم الطراف المتحاربة باتفاق ضمنى أحيانًا بعدم مهاجمة هذا الحيز تجنبًا للتدمير المتبادل.

ومثلت الثورة الليبية نموذجًا أمثل لهذا بتحيز الطرفين إلى الشرق والغرب، حتى سقوط القذافى واندحار نظامه وحيِّزُه، وكذلك الحرب الأهلية اليمنية (1994) بين الشمال والجنوب، وهناك أنظمة اجتماعية وسياسية يعد هذا التحيز مَعلماً واضحاً فيها مثل لبنان وسوريا والعراق، فتجد الكثير من الأحياء والقرى لا يصح فيها مقولة أن أغلب سكانها من طائفة ما، لأن الطائفة تملؤها بالكامل بلا مشارك، مما يجعل تحيز العامل الطائفى فى هذه المناطق من أهم أسباب تفجير الحروب الأهلية.

عدم إمكانية "التحيز" فى مصر هو الضامن الأكبر لاستحالة وقوع حرب أهلية فى مصر، فعلى المستوى الطائفى لم يوجد قط ديانة أو طائفة أو جماعة فى مصر لها حيز خاص دون سواها، كمثل ما نجد فى الأحياء البيروتية التى تنقسم تبعًا للطوائف المختلفة كبيروت الغربية للشيعة، أو القرى السورية التى تستوطن بعض قراها طوائف خالصة كـ "نبل" و "الزهراء" فى ريف حلب التى يسكنها الشيعة، وجبل العلويين وجبل الدروز، بل على العكس تجد فى مصر المناطق والقرى القبلية فى الصعيد أو فى الصحراء الغربية وسيناء متداخلة إلى درجة كبيرة.

وما يصطلح عليه البعض بأنه منطقة مسيحيين ليس فى حقيقته إلا أنه منطقة يزيد فيها المسيحيون عن النسبة العامة فى كل المناطق بدرجة ما ولا يصل المسيحيون فيها إلى درجة الأغلبية على الإطلاق، فالأغلبية للمسلمين حتى فى هذه المناطق، ولا يقف الأمر عند الأغلبية، بل هناك التداخل السكنى الشديد بين المسلمين والمسيحيين، فلو أن مسيحيًا يملك عمارة سكنية من مائة شقة فلن يستطيع مطلقًا بيع الشقق جميعها لمسيحيين ولو كانت فى الأحياء المسماة مسيحية، وربما ستكون غالبية من يسكن عنده مسلمون.

أمام ما سبق نسأل أين الحيز الذى سيأوى إليه أى من الأطراف التى ستشارك فى الحرب الأهلية المزعومة؟، لنكتشف بكل بساطة أن هذا المصطلح أراد له البعض أن يروَّج بصورة ضاغطة على الوعى لاتخاذ مواقف سياسية معينة، ليس إلا، ومفهوم "أنتم شعب ونحن شعب" يأتى فى هذا السياق، ترويجا لإمكانية وقوع الحرب بين الشعبين المزعومين، بينما الحقائق الجغرافية قبل أى اعتبارات أخرى تحول أصلًا دون أكذوبة الحرب الأهلية.