الفتح | انفصام مناهج الكليات عن احتياجات سوق العمل مشكلة تهدد التعليم الجامعي

انفصام مناهج الكليات عن احتياجات سوق العمل مشكلة تهدد التعليم الجامعي

كتــبه : محمد بدر

جامعة الاقاهرة

لا شك أن التنمية والتطوير في أي بلد يعتمدان بشكل أساسي على مدى وفرة الأيدي العاملة واكتسابها للمهارات الم طلوبة لتغطية احتياجات سوق العمل بالخبرات والقدرات البشرية اللازمة، ولما كانت "الجامعة" المرحلة الأخيرة التي ينهي فيها الشاب المصري مرحلة حياته التعليمية، التي تمتد من 16 إلى 18 عاما، فهل تقدم له "الجامعة" ما يحتاجه من مهارات وخبرات تمكنه من التكيف مع سوق العمل بعد التخرج للحصول على فرصة عمل مناسبة والمساهمة بشكل فاعل في رفع معدلات الانتاج والتنمية؟ وهل مناهج الكليات مواكبة للتطور العلمي في العلوم المختلفة؟


العديد من الأسئلة تحاول "الفتح" البحث عن إجابة لها من خلال الأسطر القليلة القادمة.


قال محمد السمان، طبيب امتياز درس في كلية طب جامعة القاهرة، إنه من خلال سنوات دراسته اكتشف أنه من الممكن في التعليم المصري أن يحصل طالب الطب على البكالوريوس بدرجة امتياز، لكنه لا يستطيع إعطاء "حقنة"، مشيرا إلى الضعف الشديد في مستوى التأهيل العملي للطلبة، مضيفا: "لو مدورتش على اللى يعلمك المهارات الإكلينيكية مش هتتعلم خالص".


وأضاف السمان، أن المناهج تعاني من "تخمة شديدة" بسبب الإضافات النظرية الكثيرة غير المرتبطة بالحياة العملية للطبيب، بالإضافة إلى الكثير من طرق العلاج القديمة التي لم تعد مستعملة في وقتنا الحالي، ويتم تكليف الطلاب بها في الامتحانات الشفوية والنظرية بلا أي داع.


وتابع: أنه إذا أجريت مقارنة بسيطة بين حجم وعدد الكتب التي يتم تدريسها في الجامعات والمعاهد مقارنة بمثيلاتها في الجامعات الأجنبية، ستكتشف أن كتب الجامعات الأجنبية أقل بمقدار النصف من الكتب المصرية في التخصص نفسه ، وذلك يرجع لعدم تطوير المناهج وتراكم المعلومات القديمة التي لم تعد مستعملة في الوقت الحالي.


قال أحمد القزاز، خريج صيدلة دفعة 2014، إن استفاد من التعليم الجامعي فهو الحصول على الشهادة فقط، أما عن العمل والوظيفة فهذه قصة أخرى، فلا يستطيع الخريج بما درسه في الجامعة العمل مباشرة في أية وظيفة خاصة المصانع والشركات، إلا بعد أن يأخذ الكثير من الدورات التدريبية الخارجية.
أما محمود بيومي، فيرى أن الطبيب المصري حديث التخرج في الوقت الحالي لا يعترف به خارجيا حتى في دول الخليج إلا بعد أن يحصل على مجموعة من الشهادات المختلفة، بعكس ما كان عليه الوضع منذ سنوات، فكان الطبيب المصري يُشهد له بالكفاءة والمهارة العالية، وكان خريج طب "قصر العيني" يحصل بمجرد تخرجه على زمالة الجراحة البريطانية؛ بسبب المستوى التعليمي الجيد الذي كان يحصل عليه الطالب أثناء دراسته في الجامعة، أما الآن فقد تدهور الوضع تماما ولا يقبل بنا في الخارج ولو كممرضين حتى، إلا بعد الحصول على بعض الشهادات الإضافية.


وفي سبيل البحث عن حل لهذه المشاكل المتعلقة بالتعليم الجامعي، قال الدكتور شعبان عبد العليم، نائب رئيس لجنة التعليم بمجلس الشعب السابق والأستاذ بكلية التجارة جامعة بني سويف، إنه من العجيب أن يوجد الكثير من الأمور والتفصيلات النظرية في مناهج الكليات العملية، موضحا أن الجانب العملي هو السمة التي من المفترض أن تغلب على مناهج هذه الكليات.


وأوضح عبد العليم، أن الجامعات متحررة في وضع مناهج الكليات بعكس المدارس، فيستطيع القسم العلمي بكل كلية وضع المنهج الذي يريده، ويستطيع تطويره وتغييره على حسب ما يرى المجلس، مشيرا إلى أن المؤلف عنده قدر كبير من الحرية في وضع المعلومات التي يرى أنها مفيدة.


وقال الدكتور حسن شحاتة، أستاذ المناهج بجامعة عين شمس، إنه في معظم الكليات تكون المناهج لا علاقة لها بسوق العمل، بدليل أن الطلبة عندما يتخرجون من الجامعة لا يجدون عملا، مشيرا إلى ضرورة تحديد مواصفات الأعمال في مدة 10 سنوات قادمة حتى يتم تغيير المناهج لتناسب سوق العمل، مضيفا أن هذا الأمر يتطلب التعاون بين وزارة التعليم العالي ووزارة القوى العاملة، ووزارة التجارة والصناعة والوزارات المعنية بحركة التنمية بحيث أن المنهج يرتبط بحركة التنمية في المستقبل.


وطالب شحاتة، بأن يكون هناك تدريب لطلبة الجامعات في المؤسسات الخدمية والمؤسسات الإنتاجية بما يسمح للطالب بدراسة الجانب النظري الأكاديمي في الجامعة والجانب التطبيقى الميداني في المؤسسات الإنتاجية، فيكتسب بذلك المهارات المطلوبة في سوق العمل، وأن يكون لرجال الأعمال دور في تدريب هؤلاء الطلبة في مصانعهم.


وأوضح أستاذ المناهج، أنه لابد أن يكون التنسيق في مسألة تطوير مناهج الجامعات عن طريق مجلس الوزراء ويعمل بشكل متكامل ولا تعمل كل وزارة وكأنها جزيرة منعزلة، ويصبح القرار قرار مجلس وزراء ولا يصبح قرار وزير أو وزارة، مضيفا ضرورة أن ترتبط كل جامعة بالبيئة المحيطة بها، وأن تتعاون الجامعات في كل محافظة مع المؤسسات الإنتاجية داخل المحافظة نفسها لتوفير احتياجات سوق العمل بالمهارات المطلوبة، بما يضمن وجود فرص عمل للشباب في محافظاتهم فور تخرجهم.


وتابع: لابد أن يتم وضع المناهج في المرحلة الثانوية بحيث تمهد للمرحلة الجامعية وترتبط بمناهجها، وأن تكون المدارس الثانوية الفنية مرتبطة بقدر أكبر بسوق العمل.


قال الدكتور نزيه رمضان، المدرس المساعد في كلية طب قصر العيني بجامعة القاهرة، إن نظام التعليم فى مصر يحتاج كثيرا من التطوير ليواكب الأنظمة العالمية، فلابد من تطبيق النظم الحديثة فى التعليم وتفعيل استخدام أساليب التكنولوجيا الحديثة، مشددا على أن تطوير التعليم يحتاج إلى جهد كبير فى كل القطاعات فنحتاج إلى تطوير المناهج بحيث يتم التركيز على ما يفيد الطالب في حياته العملية بعد ذلك وربط العلم بالواقع، كذلك التركيز على ما يحتاجه الخريج طبقا للمواصفات العالمية وترك الإسهامات والزيادات لما بعد مرحلة البكالوريوس.


وعن نظم التدريس أوضح "رمضان"، أننا نحتاج لتطبيق نظم جديدة ومحاولة تكييفها مع الواقع مثل نظام الساعات المعتمدة، كما أنه لابد من برامج تأهيل قوية لأعضاء هيئة التدريس وتوفير إمكانيات ووسائل البحث العلمي بما يتيح لأعضاء هيئة التدريس التعرف على كل ما هو جديد، ولابد أيضا من تطوير برامج لتدريب الطلاب على البحث العلمي وكيفية التعامل مع طرق التدريس الحديثة، كذلك لابد من زيادة ميزانية التعليم العالي والبحث العلمي وتوفير الإمكانيات والأدوات الحديثة التى تسهل عملية تدريس المواد الطبية وربطها بالواقع.


وأوضح الدكتور كمال مغيث، أستاذ التربية والمناهج وخبير التعليم، أن التعليم الحكومي تراجع منذ حكم مبارك؛ لأن مبارك أدار ظهره للتعليم سواء التعليم ما قبل الجامعي أو التعليم الجامعي، وترك الجامعة بها أجزاء من الفساد وتحولت إلى أوكار للتدهور المهني، وتدهور المهارات ، ولم يكتف بذلك فإنه أيضا ارتكب جريمة كبيرة في الفصل بين التعليم العالي وسوق العمل، بحيث أصبح التعليم الحكومي لا يخرج المهارات المناسبة لسوق العمل التكنولوجية الحديثة، بالإضافة إلى أنه تجاهل الاستثمار عالي الكثافة.


وأشار مغيث، إلى أن اعتماد الدولة على مصادر الاقتصاد البارد أثناء حكم مبارك تسبب في فساد التعليم، والاقتصاد البارد كما يعرفه الخبراء هو الاقتصاد الذي يعتمد على أن الأموال تنمي نفسها بدون أن تضيف فرص عمل جديدة، مثل المضاربة في البورصة والمضاربة على أسعار الأراضي والعقارات وبيع المصانع والمشروعات، وبيع المواد الخام، وهي مصادر تزيد الثروة لكن لا تضيف فرص عمل جديدة، وهي أكثر المصادر الاقتصادية قابلية للكساد وقابلية لدفع الرشاوى و"الإتاوات"، أما المشروعات كثيرة الكثافة العمالية سواء في الصناعة أو التجارة فلم يلتفت إليها نظام مبارك لأنها تحتاج إلى توفير بنية تحتية من كهرباء ومياه وهو ما كان سيكلف رجال مبارك الكثير.


وأضاف أستاذ التربية، أنه من المعلوم أن أية حالة تطور في الصناعة والاقتصاد في أي بلد ترتبط برباط وثيق مع تطوير التعليم الجامعي؛ لأنك لا تستطيع تنمية الصناعة أو الاستثمار دون الحاجة لخريجين مؤهلين للتكيف مع سوق العمل وسد حاجات المجتمع، ومن الملاحظ في تاريخ مصر أنه في فترة ازدهار المشروعات الاقتصادية مثل السد العالي والشركات العملاقة مثل شركة الحديد والصلب، كل ذلك دفع الدولة للاهتمام بالتعليم الجامعي، وتخريج شباب قادرين على حمل لواء التنمية.


وتابع: نشهد حالة من الفساد في التعليم الجامعي؛ فالجامعات تحولت إلى أوكار فساد، وكثير من المدرسين في الجامعات الحكومية الآن يعطون دروسا خصوصية أو "كورسات"، أو يصدر كتابا ويبيعه بأسعار خاصة، أو يصدر مذكرات دراسية لبيعها للطلاب والاستفادة من الأرباح المالية، ويتورط بعضهم في بيع الامتحانات أو سرقة الأبحاث العلمية.


وعن حل مشكلة تطوير التعليم الجامعي، أوضح الدكتور كمال مغيث، أن إصلاح التعليم الجامعي وتطوير المناهج لابد له أولا من إرادة سياسية تقف وراءه وتدعمه، وبعد ذلك تشكل لجان متخصصة من مجلس الوزراء والتعليم العالي لبحث ومراجعة مناهج الجامعات، والتأكد من ربطها بسوق العمل وإيجاد فرص عمل للخريجين الجدد، وحل هذه المشكلة ليست في يد وزير التعليم العالي ولا في يد الجامعات فقط، بل تضافر جهود جميع الوزارات المعنية المرتبطة بالإنتاج، وبعد توافر هذه الإرادة السياسية فمن السهل تكوين مجلس من وزراء الصناعة والتجارة والتعليم العالي والخدمات، وربطهم بين الخطط الاستراتيجية في مجالات العمل المختلفة وسياسة التعليم العالي وسياسة الالتحاق بالكليات المختلفة؛ فيسهل الربط بين الجامعات بهذا الشكل وبين سوق العمل.


ولما حاولنا عرض هذه المشاكل على وزارة التعليم العالي، ردت علينا موظفة العلاقات العامة بالوزارة ، وأعطتنا رقم قسم التعليم المعني بالمناهج الدراسية وما يتعلق بها، فاتصلنا عليهم هاتفيا لكن "لم يرد أحد".