م. إيهاب شاهين - قيم مفقودة - بوابة الفتح الالكترونية
م. إيهاب شاهين
2015-08-14 23:32:00

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
إن مما يشهد بالقيمة الحضارية والثقافية لأمة ما، ما تحققه مِن مبادئ إنسانية زاهية، تتجاوز حدودها لتعم بإنسانيتها الآخرين، ولو خالفوا في الدين والجنس واللغة. ولقد كان لأمة الإسلام السبق والريادة في هذا المضمار مِن خلال تعاليم الإسلام الراقية وقت الاختلاف والأزمات، كيف كانت وكيف دارت رحاها بينهم, واختلاف البشر في شرائعهم وطبائعهم ومذاهبهم وآرائهم واقع بمشيئة الله تعالى ومرتبط بحكمته، يقول الله: "لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ"، وكذلك قوله تعالى: "وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ"؛ يقول ابن كثير رحمه الله: أي: ولا يزال الخلاف بين الناس في أديانهم واعتقاداتهم ومللهم ونحلهم ومذاهبه"وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا"، ولقد مَنَّ الله عز وجل على هذه الأمة ببعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ قال تعالى: ?لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ"، فقد أرسى النبي محمد صلى الله عليه وسلم قواعد الرحمة بين أفراد المجتمع المسلم، وكيف يكون التعامل بينهم وقت الأزمات والاختلاف ما دام هذا الخلاف في حدود الشريعة وضوابطها، كما كان في سفر النبي صلى الله عليه وسلم عندما أفطر بعض الصحابة وصام آخرون، وما عاب أحد على أحد، واختلاف عمر مع أبي عبيدة رضي الله عنهما في دخول الأرض التي بها وباء, أمر واضح المعالم في بقاء روح المودة والأخوة عند الاختلاف، يقول الشافعي رحمه الله: «ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتفق في مسألة؟»، هذه الخصلة التي ضاعت وسط كثير مِن أبناء المسلمين عند اختلافهم، وحل مكانها الانتقاص والتجهيل والبغي والظلم، وذلك لأسباب ذكرها الله تعالى في قوله: ?وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ?، ومِن هذه الأسباب: البغي والتنافس على الدنيا ولذاتها والجهل ونقص العلم, ظن هؤلاء لوجود هذه الأسباب أو بعضها أن أي خلاف بين المسلمين هو مسألة مفاصلة ومفارقة وولاء ووبراء, وما ذلك إلا لعدم الوقوف على حقيقة الخلاف بأنواعه، وما الذي يسوغ فيه الإنكار، وما الذي يجب فيه الإنكار، وما الخلاف الذي يجب استثماره، وما الذي يجب استيعابه, قال تعالى:"وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ"، فتلاحظ في هذه الآية الكريمة أن العبرة فيما يزم مِن الاختلاف هو ما خالف البينات، وهي نصوص الكتاب والسنة أو إجماع السلف، هنا يكون الإنكار؛ يقول الشاطبي رحمه الله: فكل مسألة حدثت في الإسلام فاختلف الناس فيها ولم يورث ذلك الاختلاف بينهم عداوة ولا بغضاء ولا فرقة، علمنا أنها مِن مسائل الإسلام، وكل مسألة طرأت فأوجبت العداوة والتنافر والتنابز والقطيعة علمنا أنها ليست مِن أمر الدين في شيء، وأنها التي عنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتفسير الآية، وهي قوله تعالى: ?إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا? فيجب على كل ذي دين وعقل أن يجتنبها .. فإذا اختلفوا وتقاطعوا كان ذلك بحدث أحدثوه مِن اتباع الهوى, وهذا ظاهر في أن الإسلام يدعو إلى الألفة والتحاب والتراحم والتعاطف، فكل رأي أدى إلى خلاف ذلك فخارج عن الدين، وأما ما لا يخالف البيانات فهو مما يسع المسلمين أن يستوعبوه فيما بينهم، وألا يحدث ذلك شقاقًا بينهم, وإن مما يندى له الجبين أن تجد طوائف من المسلمين بسبب اختلاف في مسائل اجتهادية فقهية كانت أو سياسية يسوغ فيها الخلاف، يقع في ذم إخوانه من المسلمين، وما يترتب على ذلك مِن سوء الظن والغيبة والنميمة والافتراء والكذب، بل يعقد الولاء والبراء عليها، بل وصل الأمر إلى التكفير واستحلال الدماء بسبب الجهل بشريعة الإسلام الراقية، فما وقع مِن بعض مَن يدَّعي أنه مِن دعاة الإسلام بتكفير علماء ودعاة للدين ورميهم بالخيانة لله والرسول، وهم ممن شهد لهم القاصي والداني برسوخ القدم في الدين، بل هو نفسه ممن كان يشهد بذلك, فهذا التخبط في الأحكام والأقوال لعدم الوقوف على مواطن الخلاف السائغ مِن عدمه، ومتي يبدع المخالف أو يكفر أو حتى يذم, بل تستطيع أن تقول: إن مواطن الخلل التي وقع فيها هؤلاء وأمثالهم بسبب عدم الوقوف بقدم راسخة على هذه القيم الشامخة التي أعلى من قدرها الإسلام وأرساها نبينا صلى الله عليه وسلم في كيفية التعامل مع المخالف, فالاقتراب مِن البينات القرآن والسنة والإجماع بفهم الصحابة الكرام لهو السبيل -إن شاء الله- لعصمة المجتمعات مِن الوقوع فيما نراه ونسمعه الآن مِن نبرات التبديع وأصوات التكفير وسفك دماء المسلمين, ولقد كان -بفضل الله تعالى- للدعوة السلفية التي نتشرف بالانتساب إليها في هذا العصر قدم السبق في ذلك بوضع منهج علمي ضمن المنهج الموضوع لبناء الشخصية المسلمة، يشتمل على هذه القواعد المهمة في التعامل مع الآخرين؛ حفاظًا على العقل السليم مِن الانحراف مع تيار الأفكار المنحرفة المخالفة لمنهج السلف, وقامت على تدريسه لأبنائها ونشره في الآفاق؛ حتى يعم هذا الخير جميع الناس, فلو أننا عدنا إلى هذه المعاني الراقية والقيم المفقودة التي رسخها الإسلام وعلمناها للدنيا بأَسْرِها؛ لقل الخلاف، وعمَّ الوئام جميع الأنام. والحمد لله رب العالمين.