مصطفى دياب - هجر المحرمات وصون الخلوات - بوابة الفتح الالكترونية
مصطفى دياب
2015-08-10 19:50:00

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على مَن لا نبي بعده صلى الله عليه وسلم، وبعد؛


لو لم يكن للمرء في حياته هدف سامٍ، لم يكن لحياته معنى، وما وجدت أعظم مِن أن يكون هدفي «أن يرضى ربي عنى»، وكيف لا ورضوان الله سبب كل فوز وسعادة، ورضاه عز وجل أعظم العطايا والمنن (وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ)؟

فيا هناء مَن اتَّبع رضوان الله وواظب على ما يحبه ربه ويرضاه، ويا بؤس مَن باء بسخطٍ مِن الله؛ لتخلفه عن طاعته ومرضاته ورضوانه عز وجل، وما أدرك المسكين أن غمسةً واحدة في نار جهنم تكفيه! نعم تكفيه أن ينسى نعيم الدنيا

فيقول: «ما رأيتُ نعيمًا قط، ما مر بي خيرٌ قط»، وقد كان في الدنيا يُرضِي شهواته ويتبع هواه، ولم يكن حريصًا على مرضاة ربه، ولم يجعل هدفه في حياته أن يَرضى ربه عنه.


الإخوة الأحباب:


هدفي أن يرضى ربي عني .. هدفي لا ينتهي حتى بعد دخول الجنة؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة؛

فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير كله في يديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربنا وقد أعطيتنا ما لم تُعطِ أحدًا مِن خلقك؟

فيقول:

ألا أعطيكم أفضل مِن ذلك؟

فيقولون: يا رب؛ وأي شيء أفضل مِن ذلك؟ فيقول: أُحِلُّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا».


الإخوة الأفاضل:

إن أبواب تحصيل مرضاة الله كثيرة، ومِن أفضلها: هجر المحرمات وصون الخلوات؛ فاجعل ذلك هدفًا لك يوصلك إلى مرضاة الله والجنة، فاهجر ما حرَّم الله، ولا تجعل شيطانك يقودك فتقع في هتك الأعراض وذنوب الخلوات والتفريط والتقصير في حق الله، واستقم كما أمرت لا كما ترغب وتحب؛

فالاستقامة أعظم كرامة، وإذا استقام قلب العبد استقامت جوارحه؛ فالقلوب كالقدور والألسن مغارفها، واحفظ سمعك وبصرك وفرجك، ولا يغرك صمت أعضائك اليوم (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا)؛ فإنها ستنطق يوم الحشر (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)، فاعرفوا ما حرَّم الله واهجروه سرًّا وعلنًا، واحذروا ذنوب الخلوات؛ فإنها أصل الانتكاسات، ولا تفتحوا على أنفسكم أبواب الفتن والشهوات، كما قال الحبيب صلى الله عليه وسلم: «ويحك لا تفتحه .. إنك إن تفتحه تلجه»، واعلموا أننا إلى الله راجعون (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ) .. (ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ).


يا شباب المستقبل:

اهجروا المحرمات وصونوا الخلوات، واعلموا أن مَن يدخل تحت ظل عرش الرحمن يوم الحشر ليس شابًّا عاديًّا، 
ومَن يعجب ربك مِن شأنه ليس شابًّا عاديًّا «يعجب ربك مِن الشاب ليس له صبوة»، ومَن يهتز لموته عرش الرحمن وينزل سبعون ألف ملك مِن السماء يشيعون جنازته ليس شابًّا عاديًّا، ومَن يصبر أمام الشهوات في الجهر والخلوات ويصمد أمام الشبهات خاصة وقت الفتن ليس شابًّا عاديًّا؛ فالقابض على دينه كالقابض على الجمر .. إن مَن يذكر الله وسط غفلة الملايين ليس شابًّا عاديًّا «مثل الذاكر في الغافلين مثل الشجرة الخضراء في الهشيم».


أخي الحبيب:

هجر المحرمات وصون الخلوات ما دامت الحياة .. فلا تكن أمام الناس قديسًا وفي الخلوات إبليس (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ)، ثم عودًا حميدًا إلى البَر الرحيم (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَل التَّوْبَة عَنْ عِبَاده وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَات وَيَعْلَم مَا تَفْعَلُونَ)، وربما تجد المعوقات في طريق عودتك إلى الله؛ فاصبر وامضِ حتى تبلغ (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَالسَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ).


وصلِّ اللهم على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.