عصام حسنين - إنهم يهدمون الوطن! - بوابة الفتح الالكترونية
عصام حسنين
2015-07-29 03:32:00

الوطن المقصود به موطن الإنسان الذي وُلد فيه ونشأ, وحبه غريزة متأصلة في النفوس تجعله يستريح للبقاء فيه, والحنين إليه إذا غاب عنه, والدفاع عنه إذا هُوجم, والغضب له إذا انتقص كما يقول الغزالي رحمه الله.
 
- والوطن مجموعة مِن الأُسَر, والأسر مجموعة مِن الأفراد تجمعهم صلات وحقوق وواجبات.
 
- وحب الوطن على هذا المعنى مِن الدِّين؛ لما هاجر بلال إلى المدينة أصابته الحمى، فكانت إذا أقلعت عنه يرفع صوته ويقول:
 
ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة *** بوادٍ وحولي إذخر وجليل
 
وهل أرِدن يومًا مياه مجنة *** وهل يبدون لي شامة وطفيل
 
فانظر -رعاك الله- إلى حب بلال لمكة موطنه، وإلى أمنيته أن يبيت ليلة بواد (طريق ضيق بين جبلين) مِن أودية مكة.
 
فأخبرت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم فدعا ربه: «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد ...» الحديث. (رواه البخاري).
 
ولما منعت قريش النبي صلى الله عليه وسلم مِن تبليغه دعوة ربه تعالى، وآذوه وأصحابه، خرج منها إلى يثرب ليُبَلِّغ رسالة ربه تعالى، قال وهو على مشارف مكة يودع أرضها وبيوتها: «والله إني أعلم أنكِ خير أرض الله وأحبها إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجوني منكِ ماخرجت»، وفي رواية: «ما أطيبك مِن بلد! وما أحبك إليَّ، ولولا أن قومي أخرجوني منكِ ما سكنت غيركِ». (رواه الترمذي).
 
وهذا دليل على حب الإنسان لموطنه الذي نشأ فيه.
 
والوطن في الإسلام وطنان:
 
وطن بالمعنى العام: يشمل كل أرضٍ مسلمة، فهي وطن للمسلم يحبه ويحب أهله ويحب عزَّهم ويحب لهم الخير ويكره لهم الشر والضرر، وإن أصابهم مكروه ولم يستطع أهله ولا القريبون منه الدفاع عنه لزمه الدفاع عنه إن قدر.
 
قال الله تعالى: "إنما المؤمنون إخوة".
 
وقال: "إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون . ومَن يتولَّ الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون".
 
وقال: "وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق".
 
وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه مِن الخير ما يحب لنفسه». (رواه البخاري والنسائي واللفظ له).
 
ووطن بالمعنى الخاص: وهو موضوع مقالنا ما وُلد فيه الإنسان ونشأ وترعرع، وحبّه كما ذكرنا مِن الدِّين؛ لأنه يقتضي حقوقًا وواجبات ليس شعارات؛ وأغنيات خالية مِن مضمونها، كمن يرفع شعار حب الوطن وهو يخونه أو ينهبه أو يهدمه.
 
-  حب الوطن يستلزم القيام بحقوق أهله: (حق الوالدين - حق القرابة - حق الجار - حق الفقراء والمساكين واليتيم - حق الأخوة والصداقة - حق غير المسلمين - حق الزوج - حق الأبناء).
-          
-         السعي للمحافظة على خيراته ومقدراته.
-          
-         السعي لرفع هموم أهله وكرباتهم.
-          
-         السعي على الضعفاء والمحاويج.
-          
-         السعي بالنصيحة ليُوجد مجتمع المعروف الذي يكثر خيره ويقل شره.
-          
-         الخوف على أبنائه من غضب الله وعقابه بأمرهم بالمعروف إذا ظهر تركه ونهيهم على المنكر إذا ظهر ارتكابه.
-          
-         التصدي لكل منحرف يخل بأمن وسلامة الوطن بكافة الوسائل المُتاحة.
-          
-         الدفاع عنه عند الحاجة بالقول أو بالفعل.
-          
-         إعطاء غير المسلمين حقوقهم دون نقص أو جور.
-          
-         هذا هو حب الوطن الصادق الذي ضرب له مثلًا -صلى الله عليه وسلم- «بالجسد الواحد، والبنيان المرصوص»، فقال: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له الجسدبالسهر والحمى». (رواه مسلم).
-          
وقال: «مثل المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا».
 
هكذا يكون أبناء الوطن كالجسد الواحد، ومَن قام بحقوقه وواجباته فهؤلاء هم الوطنيون الحقيقيون!
 
-         وهناك مَن يهدم الوطن مِن أبنائه وهم -للأسف- كثيرون.
-          
-         يهدم الوطن مَن يُعلن المعاصي ويُظهرها؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم قال:
-          
«يَا مَعْشَرَ ‏الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ ‏وَجَوْرِ‏ ‏السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلا مُنِعُوا ‏الْقَطْرَ‏ ‏مِنْ السَّمَاءِ وَلَوْلا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْغَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُم». (رواه ابن ماجة وحسنه الألباني).
 
ومعني يتخيروا: أي: يطلبوا الخير والسعادة في الالتزام بشرع الله.
 
فانظر -حفظك الله- إلى أثر المعاصي على المجتمع، ماذا تفعل به؟
 
قال أبو العالية: «مَن عصى الله فقد أفسد في الأرض؛ لأنّ صلاح الأرض والسماء بالطاعة».
 
-         ويهدم الوطن مَن يسعى بالفتن بين أهله بنشر النميمة والأكاذيب والأراجيف.
-          
-         ويهدم الوطن مَن يأكل أموال الناس بالباطل مِن رشوة وظلم وغصب ونحو ذلك.
-          
-         ويهدم الوطن مَن يمشي بالفساد في الأرض مِن نشر المعتقدات الباطلة والمنكرات المخالفة ومَن يحب أن تشيع الفاحشة في المجتمع.
-          
-         ويهدم الوطن مَن يُكفِّر أهله ويستبيح دماءهم وأموالهم أو يُعَرِّض أمن البلاد والعباد للخطر.
-          
-         ويهدم الوطن مَن يفتري الكذب وينشر الشائعات قتالًا على رئاسة وانتقامًا من أبناء وطنه.
-          
-         ويهدم الوطن مَن يظلم أهله وإن كان مُخالفًا له، ويسعى في الأرض بالظلم بتلفيق التهم للأبرياء والقبض عليهم وانتهاك حرماتهم.
-          
-         ويهدم الوطن مَن لا يرحم الصغير، ولا يحترم الكبير، ولا يعرف للعلماء فضلهم.
-          
هؤلاء جميعًا يهدمون الوطن، فإن كنَّا صادقين في حبنا لوطننا فلنكن يدًا واحدة نقوم بحقوقه وواجباته، ونحافظ عليه من الفوضى وخطر التقسيم، ومنع الأفكار المتطرفة سواء كانت علمانية أو تكفيرية أو مبتدعة.
 
-         هذه مسؤليتنا جميعًا، وحق وطننا علينا، إنها مصر قلب العالم العربي والإسلامي النابض!
-          
احفظوها إن مصر إن تضِع *** ضاع في الدنيا تراث المسلمين
 
 
 
حفظ الله مـــصر وأهلها مِن كل مكـــروه وســــوء.