عادل نصر - الانحراف عن الوسطية سبيل الشيطان وهو شأن أغلب الخلق - بوابة الفتح الالكترونية
عادل نصر
2015-07-29 21:16:00

ولما كان لزوم الوسطية «الصراط المستقيم» هو طريق النجاة وسبيل الفوز، كان مِن مكائد الشيطان ‏بالخلق تزيين الانحراف عنها.‏
 
ولقد وقع ما أخبر به نبينا صلى الله عليه وسلم مِن افتراق هذه الأمة: «وإن هذه الأمة ستفترق ...»، وقوله صلى الله عليه وسلم: ‏‏«وسألت ربي أن لا يلبسنا شيعًا فمنعنيها».‏
 
وانظر إلى الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى وهو يوضح كيد الشيطان للإنسان وكيف ينحرف به عن ‏الوسطية، إما بالغلو ومجاوزة الحد، وإما بالتقصير والتفريط، فيقول: «ومِن كيده العجيب: أنه يشام النفس ‏ ‏حتى يعلم أي القوتين تغلب عليها: قوة الإقدام والشجاعة أم قوة الانكفاف والإحجام والمهانة،‏ فإن رأى الغالب على النفس المهانة والإحجام أخذ في تثبيطه وإضعاف همته وإرادته عن المأمور به وثقله ‏عليه، فهون عليه تركه حتى يتركه جملة أو يقصر فيه ويتهاون به.‏ وإن رأى الغالب عليه قوة الإقدام وعلو الهمة أخذ يقلل عنده المأمور به ويوهمه أنه لا يكفيه وأنه يحتاج ‏معه إلى مبالغة وزيادة، فيقصر بالأول ويتجاوز الثاني، كما قال بعض السلف: ما أمر الله تعالى بأمر إلا ‏وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وتقصير، وإما إلى مجاوزة وغلو ولا يبالي بأيهما ظفر.‏
 
وقد اقتُطع أكثر الناس إلا أقل القليل في هذين الواديين: وادي التقصير، ووادي المجاوزة والتعدي، والقليل ‏منهم جدًّا الثابت على الصراط الذي كان عليه رسول الله وأصحابه، فقوم قصر بهم عن الإتيان بواجبات ‏الطهارة، وقوم تجاوز بهم إلى مجاوزة الحد بالوسواس،‏ وكذلك قصر بقوم في حق الأنبياء وورثتهم حتى قتلوهم، وتجاوز بآخرين حتى عبدوهم.‏
 
وقصر بقوم في خلطة الناس حتى اعتزلوهم في الطاعات كالجمعة والجماعات والجهاد وتعلم العلم، وتجاوز ‏بقوم حتى خالطوهم في الظلم والمعاصي والآثام.‏
 
‏وقصر بقوم حتى امتنعوا من ذبح عصفور أو شاة ليأكلوه، وتجاوز بآخرين حتى جرأهم على الدماء ‏المعصومة.‏
 
‏وكذلك قصر بقوم حتى منعهم مِن الاشتغال بالعلم الذي ينفعهم، وتجاوز بآخرين حتى جعلوا العلم ‏وحده هو غايتهم دون العمل به.‏
 
‏وقصر بقوم حتى زين لهم ترك سنة رسول الله‎ ‎من النكاح فرغبوا عنه بالكلية، وتجاوز بآخرين حتى ارتكبوا ‏ما وصلوا إليه من الحرام.‏
 
وقصر بقوم حتى جفوا الشيوخ مِن أهل الدين والصلاح وأعرضوا عنهم ولم يقوموا بحقهم، وتجاوز بآخرين ‏حتى عبدوهم مع الله تعالى.
 
‏وكذلك قصر بقوم حتى منعهم قبول أقوال أهل العلم والالتفات إليها بالكلية، وتجاوز بآخرين حتى جعلوا ‏الحلال ما حللوه والحرام ما حرموه، وقدموا أقوالهم على سنة رسول الله‎ ‎الصحيحة الصريحة.
 
‏وقصر بقوم حتى قالوا: إن الله سبحانه لا يشفع أحدًا في أحد البتة ولا يرحم أحدًا بشفاعة أحد، وتجاوز ‏بآخرين حتى زعموا أن المخلوق يشفع عنده بغير إذنه كما يشفع ذو الجاه عند الملوك ونحوهم.‏
 
‏وقصر بقوم حتى قالوا: إيمان أفسق الناس وأظلمهم كإيمان جبريل وميكائيل فضلًا عن أبي بكر وعمر، ‏وتجاوز بآخرين حتى أخرجوا مِن الإسلام بالكبيرة الواحدة.‏
 
‏وقصر بقوم حتى نفوا حقائق أسماء الرب تعالى وصفاته وعطلوه منها، وتجاوز بآخرين حتى شبهوه بخلقه ‏ومثلوه بهم. ‏
 
وقصر بقوم حتى عادَوا أهل بيت رسول الله وقاتلوهم واستحلوا حرمتهم، وتجاوز بقوم حتى ادعوا فيهم ‏خصائص النبوة مِن العصمة وغيرها، وربما ادعوا فيهم الألوهية.‏
 
‏وقصر بقوم حتى تزينوا للناس وأظهروا لهم من الأعمال والعبادات ما يحمدونهم عليه، وتجاوز بقوم حتى ‏أظهروا لهم مِن القبائح ومِن الأعمال السيئة ما يسقطون به جاههم عندهم وسموا أنفسهم الملامتية.‏
 
وقصر بقوم حتى أهملوا أعمال القلوب ولم يلتفتوا إليها وعدوها فضلًا أو فضولًا، وتجاوز بآخرين حتى ‏قصروا نظرهم وعملهم عليها ولم يلتفتوا إلى كثير من أعمال الجوارح، وقالوا: العارف لا يسقط وارده لورده.
 
وهذا باب واسع جدا لو تتبعناه لبلغ مبلغًا كثيرًا، وإنما أشرنا إليه أدنى إشارة» .اهـ.‏
 
إذًا الانحراف عن الوسطية مِن مداخل الشيطان، وهو شأن أغلب الخلق، يقول شيخ الإسلام رحمه ‏الله تعالى: «الِانْحِرَافُ عَنْ الْوَسَطِ كَثِيرٌ فِي أَكْثَرِ الْأُمُورِ فِي أَغْلَبِ النَّاسِ؛ مِثْلَ تَقَابُلِهِمْ فِي بَعْضِ الْأَفْعَالِ ‏يَتَّخِذُهَا بَعْضُهُمْ دِينًا وَاجِبًا أَوْ مُسْتَحَبًّا أَوْ مَأْمُورًا بِهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَبَعْضُهُمْ يَعْتَقِدُهَا حَرَامًا مَكْرُوهًا أَوْ مُحَرَّمًا أَوْ ‏مَنْهِيًّا عَنْهُ فِي الْجُمْلَةِ؛ مِثَالُ ذَلِكَ «سَمَاعُ الْغِنَاءِ» فَإِنَّ طَائِفَةً مِنْ الْمُتَصَوِّفَةِ وَالْمُتَفَقِّرَةِ تَتَّخِذُهُ دِينًا وَإِنْ لَمْ تَقُلْ ‏بِأَلْسِنَتِهَا أَوْ تَعْتَقِدْ بِقُلُوبِهَا أَنَّهُ قُرْبَةٌ، فَإِنَّ دِينَهُمْ حَالٌ؛ لَا اعْتِقَادٌ: فَحَالُهُمْ وَعَمَلُهُمْ هُوَ اسْتِحْسَانُهَا فِي قُلُوبِهِمْ ‏وَمَحَبَّتُهُمْ لَهَا دِيَانَةً وَتَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ قَدْ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ بِلِسَانِهِ، وَفِيهِمْ مَنْ يَعْتَقِدُ وَيَقُولُ: ‏لَيْسَ قُرْبَةً، لَكِنَّ حَالَهُمْ هُوَ كَوْنُهُ قُرْبَةً وَنَافِعًا فِي الدِّينِ وَمُصْلِحًا لِلْقُلُوبِ، وَيَغْلُو فِيهِ مَنْ يَغْلُو؛ حَتَّى يَجْعَلَ ‏التَّارِكِينَ لَهُ كُلَّهُمْ خَارِجِينَ عَنْ وِلَايَةِ اللَّهِ وَثَمَرَاتِهَا مِنْ الْمَنَازِلِ الْعَلِيَّةِ.‏
 
وَبِإِزَائِهِمْ مَنْ يُنْكِرُ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْغِنَاءِ وَيُحَرِّمُهُ وَلَا يَفْصِلُ بَيْنَ غِنَاءِ الصَّغِيرِ وَالنِّسَاءِ فِي الْأَفْرَاحِ وَغِنَاءِ غَيْرِهِنَّ ‏وَغِنَائِهِنَّ فِي غَيْرِ الْأَفْرَاحِ، وَيَغْلُو مَنْ يَغْلُو فِي فَاعِلِيهِ حَتَّى يَجْعَلَهُمْ كُلَّهُمْ فُسَّاقًا أَوْ كُفَّارًا، وَهَذَانِ الطَّرَفَانِ مِنْ ‏اتِّخَاذِ مَا لَيْسَ بِمَشْرُوعِ دِينًا أَوْ تَحْرِيمِ مَا لَمْ يُحَرِّمُ دِينُ الْجَاهِلِيَّةِ وَالنَّصَارَى الَّذِي عَابَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: "‏وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ"، وَقَالَ تَعَالَى فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ: «إنِّي خَلَقْت عِبَادِي حُنَفَاءَ ‏فَاجْتَالَتْهُمْ الشَّيَاطِينُ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْت لَهُمْ وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا»،‏ وَقَالَ ‏فِي حَقِّ النَّصَارَى: "وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ"، وَمِثَالُ ذَلِكَ: أَنْ يَحْصُلَ ‏مِنْ بَعْضِهِمْ «تَقْصِيرٌ فِي الْمَأْمُورِ» أَوْ «اعْتِدَاءٌ فِي الْمَنْهِيِّ»: إمَّا مِنْ جِنْسِ الشُّبُهَاتِ وَإِمَّا مِنْ جِنْسِ ‏الشَّهَوَاتِ: فَيُقَابِلُ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ بِالِاعْتِدَاءِ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ أَوْ بِالتَّقْصِيرِ فِي الْأَمْرِ ‏بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَالتَّقْصِيرُ وَالِاعْتِدَاءُ: إمَّا فِي الْمَأْمُورِ بِهِ وَالْمَنْهِيِّ عَنْهُ شَرْعًا وَإِمَّا فِي نَفْسِ أَمْرِ ‏النَّاسِ وَنَهْيِهِمْ: هُوَ الَّذِي اسْتَحَقَّ بِهِ أَهْلُ الْكِتَابِ الْعُقُوبَةَ حَيْثُ قَالَ:"ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا ‏إلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ‏الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ"، فَجَعَلَ ذَلِكَ بِالْمَعْصِيَةِ وَالِاعْتِدَاءِ، وَالْمَعْصِيَةُ: مُخَالَفَةُ ‏الْأَمْرِ وَهُوَ التَّقْصِيرُ وَالِاعْتِدَاءُ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ، وَكَذَلِكَ يَضْمَنُ كُلُّ «مُؤْتَمَنٍ عَلَى مَالٍ» إذَا قَصَّرَ وَفَرَّطَ فِي مَا أُمِرَ بِهِ ‏وَهُوَ الْمَعْصِيَةُ إذَا اعْتَدَى بِخِيَانَةِ أَوْ غَيْرِهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ: "وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ" فَالْإِثْمُ هُوَ ‏الْمَعْصِيَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا وَحَرَّمَ مَحَارِمَ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا وَحَدَّ ‏حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ فَلَا تَسْأَلُوا عَنْهَا»،‏ فَالْمَعْصِيَةُ تَضْيِيعُ ‏الْفَرَائِضِ وَانْتِهَاكُ الْمَحَارِمِ: وَهُوَ مُخَالَفَةُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالِاعْتِدَاءُ مُجَاوَزَةُ حُدُودِ الْمُبَاحَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى: "‏يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ"، فَالْمَعْصِيَةُ مُخَالَفَةُ أَمْرِهِ ‏وَنَهْيِهِ وَالِاعْتِدَاءُ مُجَاوَزَةُ مَا أَحَلَّهُ إلَى مَا حَرَّمَهُ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ -وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -: " لأَنَّ اعْتِدَاءَ الْحَدِّ مُحَرَّمٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فَيَدْخُلُ فِي قِسْمِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ؛ لَكِنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ قِسْمَانِ: مَنْهِيٌّ ‏عَنْهُ مُطْلَقًا كَالْكُفْرِ فَهَذَا فِعْلُهُ إثْمٌ وَمَنْهِيٌّ عَنْهُ.‏
 
وَقِسْمٌ أُبِيحَ مِنْهُ أَنْوَاعٌ وَمَقَادِيرُ وَحَرَّمَ الزِّيَادَةَ عَلَى تِلْكَ الْأَنْوَاعِ وَالْمَقَادِيرِ فَهَذَا فِعْلُهُ عُدْوَانٌ، وَكَذَلِكَ قَدْ ‏يَحْصُلُ الْعُدْوَانُ فِي الْمَأْمُورِ بِهِ كَمَا يَحْصُلُ فِي الْمُبَاحِ فَإِنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الْمَأْمُورِ بِهِ قَدْ يَكُونُ عُدْوَانًا مُحَرَّمًا وَقَدْ ‏يَكُونُ مُبَاحًا مُطْلَقًا وَقَدْ يَكُونُ مُبَاحًا إلَى غَايَةٍ فَالزِّيَادَةُ عَلَيْهَا عُدْوَانٌ، وَلِهَذَا التَّقْسِيمِ قِيلَ فِي «الشَّرِيعَةِ»: هِيَ ‏الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْحَلَالُ وَالْحَرَامُ وَالْفَرَائِضُ وَالْحُدُودُ وَالسُّنَنُ وَالْأَحْكَامُ، «فَالْفَرَائِضُ» هِيَ الْمَقَادِيرُ فِي الْمَأْمُورِ بِهِ، وَ«الْحُدُودُ» النِّهَايَاتُ لِمَا يَجُوزُ مِنْ الْمُبَاحِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَغَيْرِ الْمَأْمُورِ بِهِ». اهـ.‏