د. ياسر برهامي - النصر والفرح بعد الشدة واليأس - بوابة الفتح الالكترونية
د. ياسر برهامي
2015-07-11 23:05:00

قال تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ القَوْمِ المُجرِمِينَ} [يوسف:110]
 
ما أحوجنا إلى تدبر هذه الآية الكريمة على وجوه قراءتها –التي كلها حق ومن عند الله- فكل وجه من وجوه قراءاتها، وكذا وجوه تفسيرها، له من الفوائد العظيمة التي يحتاجها السائرون إلى الله على طريق الرسل المحفوف بالمكاره والآلام، فلنستعرض أولا ما ورد من وجوه القراءة وما فيها من وجوه التفسير ثم نذكر فوائدها.
 
قال ابن كثير –رحمه الله-: (وفي قوله: {كُذِبُوا} قراءتان: إحداهما: بالتشديد {كُذِّبُوا}، وكذلك كانت عائشة -رضي الله عنها- تقرؤها.
 
فروى البخاري عن عروة بن الزبير، عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت له وهو يسألها: أكُذِبوا أم كُذِّبوا؟ قالت: {كُذِّبُوا}. قال: فقد استيقنوا أن قومهم قد كذبوهم فما هو بالظن؟: قالت: أجل لعمري لقد استيقنوا بذلك، فقال لها: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا}. قالت: معاذ الله لم تكن الرسل تظن ذلك بربها، هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم، فطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ}ممن كذبهم من قومهم، وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم، جاء نصر الله عند ذلك.
 
والقراءة الثانية: بالتخفيف، واختلفوا في تفسيرها.
 
قال ابن جريج: أخبرني ابن أبى مليكة أن ابن عباس قرأها {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} خفيفة. قال ابن عباس: كانوا بشرا، ثم تلا: {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214].
 
وروى الأعمش عن مسلم عن ابن عباس قال: لما أيست الرسل أن يستجيب لهم قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوهم، جاءهم النصر على ذلك فنجي من نشاء.
 
وروى ابن جرير عن سعيد بن جبير قوله: حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يصدقوهم، وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كَذَبوا.
 
وكذا فسرها غير واحد من السلف، حتى إن مجاهدا قرأها: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كَذَبُوا} بفتح الذال. إلا أن بعض من فسرها كذلك يعيد الضمير في قوله : {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} إلى أتباع الرسل من المؤمنين، ومنهم من يعيده إلى الكافرين منهم، أي وظن الكفار أن الرسل قد {كُذِبُوا} مخففة فيما وُعِدُوا به من النصر.
 
وروى ابن جرير بسنده أن عبد الله بن مسعود –رضي الله عنه- قال في هذه الآية: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ} من إيمان قومهم أن يؤمنوا لهم، وظن قومهم حين أبطأ الأمر أنهم {قَدْ كُذِبُوا}بالتخفيف-.
 
انتهى كلام ابن كثير بتصرف.
 
فيتحصل من ذلك أن الآية تقرأ على وجهين، كلاهما ثابت بلا شك:-
 
الوجه الأول: { كُذِبُوا} وهي قراءتنا المشهورة (قراءة عاصم وحمزة والكوفيين وخلف وأبي جعفر) وعلى هذا الوجه ثلاثة أوجه في التفسير:
 
الأول: أن الرسل قد ظنت أنها قد كُذِبَت، وهذا هو الثابت بأسانيد صحيحة عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم.
 
وهو يوضح معنى الظن هنا عند ابن عباس رضي الله عنه، وأنه مجرد الخواطر التي تطرأ على القلب ولا تستقر، من جنس: ( ما وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم في فترة انقطاع الوحي حين هم أن يتردى من فوق جبل) ، وهذه كلها عوارض البشرية التي تقع للرسل حتى يكونوا قدوة للمؤمنين في دفع هذه الخواطر، فهي ظنون مرجوحة مطرودة يجاهدها المؤمن ليصل إلى علم اليقين وحق اليقين، والرسل تصل بعدها إلى علم اليقين، حتى إذا وقعت هذه الظنون في نفس المؤمن لشدة الحال لم يقنط من رحمة الله، ولم يخدعه الشيطان عندها أنه قد زال إيمانه، بل هذه طبيعة القلب البشري ومجرد ورود الخواطر لا يمكن منعه ابتداء, ولا يحاسب عليه الإنسان مالم يصل إلى الشك أو أن يظن الظن الراجح بالاعتقاد الفاسد، وهذا الذي أنكرته عائشة رضي الله عنها أن تكون الرسل قد ظنت، أي غلب على ظنها واعتقدت ذلك في ربها أو حتى شكت، وهذا مما لا نزاع فيه بين أحد من أهل السنة وأهل الإيمان إن شاء الله.
 
ولما لم تكن عائشة رضي الله عنها تعلم بهذه القراءة وتوجيهها الذي قاله ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم أنكرتها.
 
الوجه الثاني: على قراءة: {كُذِبوا}: أن بعض أتباع الرسل ظنوا أن الرسل قد كذبت وهذا يحتمل أمرين:
 
 الأول: أن أتباع الرسل من المؤمنين وقع لهم ما ذكر في الوجه الأول، وهو خواطر ووساوس دفعوها بحمد الله وما استقرت في النفوس.
 
الثاني: أن يكون بعض أتباع الرسل قد فتنوا من شدة الحال، كمن يعبد الله على حرف ومن يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله.
 
والاحتمال الأول أظهر عندي لأن الله وصف من قال: {مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} بالإيمان، فجعل سبحانه استبطاء النصر لا ينافي الإيمان، فدل على أنه الخواطر لا الشكوك والظنون الراجحة ولا اليقين بالأولى.
 
الوجه الثالث: على قراءة { كُذِبوا} أن أقوام الرسل من الكفار ظنوا أن الرسل قد كُذِّبت وأنه لم يأتها شيء لما استبطأ النصر، وهو هنا الظن الراجح عندهم واعتقادهم الفاسد، قالت أم جميل لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما أبطا عليه جبريل: ( ما أرى شيطانك إلا تركك) فأنزل الله تعالى ، وهو في الصحيحين دون تسميتها أم جميل.
 
وأنت إذا تأملت أقوال السلف بمجموعها ، وعلمت ما يجري في واقع الحال عند المحن والشدائد، وجدت أن مجموع أقوالهم يصف تفاصيل ما يقع لطوائف مختلفة ونوعيات متفاوتة كلها موجودة في الواقع.
 
ومن فتش في نفسه وراقب خواطره واستوعب كذلك ما يقع لإخوانه من الناس حوله، خاصة عند الضربات المتتابعة والهزائم المتتالية التي قد تحل بطائفة مؤمنة في مراحل مواجهتها الأولى مع الباطل ، وشدة التفاوت بين القوة الظاهرة للباطل والاستضعاف الشديد للمؤمنين، علم فعلا أن حقيقة الواقع هو في مجموع أقوال السلف وإن كان ففي نهاية الأمر بعض الأقوال أليق بظاهر الآية لكن غيرها ملازم لها غير معارض.
 
وعلى الرغم من أن هذا يضيق به البعض ويكرهه كما قال ابن مسعود رضي الله عنه لمسروق: ( هو الذي تكره) ، لظنه أنه مخالف لعصمة الرسل واللائق بهم، لكنه والله عند التأمل والتجربة من أعظم أسباب الراحة والطمأنينة لعباد الله المؤمنين لأن لهم في الرسل الأسوة الحسنة ، وورود الخواطر حتى بظن أن الوحي م أتاهم أو أن النصر لن يأـتي لا ينافي ما ثبت من عصمتهم ، فإن الخواطر من عوارض البشرية لا دليل على امتناعها عن الرسل ، إنما المنع من الاعتقاد الباطل أو الشك ، أما ورود الخواطر التي يجاهدونها ويدفعونها فأين في الكتاب والسنة والإجماع المنع من ذلك ، وقد ورد نحو من هذا في الكلام على هم يوسف عليه السلام ، وأما كون هذا من أسباب راحة المؤمنين لأن لحظات الشدة قد يكون معها هذه الخواطر والتي يتفاوت الناس كثيرا جدا في حجمها ومدتها وبقائها ، فمنهم من تأتيه كوميض برق مفزع لصاحبه يزول بأسرع ما يكون ويأتيه بعده برد اليقين ومطر الإيمان المتتابع الذي يثمر في أرض القلب أنواع الخيرات والثمرات الزكية ويدرك به فضل الله عليه في التثبيت وأنه لا يملك لنفسه شيئا وأنه والله لولا الله ما اهتدى.
 
وتأمل قول الله –عز وجل- لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (73) وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً (74) إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً} [الإسراء: 73-75].
 
ولا شك أن الركون إلى الكفرة في افتراء غير الحق على الله عز وجل هو من هذا الجنس من الخواطر ، تزول ولا تستقر ، يعرف بها المؤمن اتباعا لرسل الله – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-  أنه مامن قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع رب العالمين إن شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه" ، ولا يزال دأبه في كل لحظة الالتجاء إلى الله سبحانه ، والفرار منه إليه ، قائلا داعيا متضرعا" يا مقلب القلوب ثبت قلبي ثبت قلبي على دينك" و " اللهم مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك".