م. عبد المنعم الشحات - فتوى د.عبد المقصود و الفرق بين عامى 2013 و 1954 - بوابة الفتح الالكترونية

الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و بعد:
استضاف (الشيخ) محمد الصغير (الشيخ) محمد عبد المقصود -كعادتهما منذ أن أفتيا الشباب بالثبات و أن الفرار من الميدان فرار من الزحف ثم فرا مع من فر للتفرغ لنوع آخر من الجهاد فيما يظنون- و كانت هذه الحلقة إحدى حلقات ذلك الجهاد المزعوم و دار بينهما الحوار التالي:
 
الصغير قارئا لسؤال سائل: أينما نولي نجد إما "إمام أوقافي انقلابي" أو "نوري برهامي" هؤلاء من يسمح لهم بصلاة التراويح والإمامة
 
عبد المقصود: اتخذوا بيوتكم قبلة ولا تصلوا وراء هؤلاء المنافقين
 
الصغير: حتى العشاء؟
 
عبد المقصود: لا، أنت تقول التراويح، ولكن في الصلوات الخمس المفروضة، "دا في أهل البدع الإمام أحمد قال صلي خلفه ثم أعد الصلاة"
 
الصغير: للحفاظ على الجماعة؟
 
عبد المقصود: للحفاظ على الجماعة، فأنا أقول صلوا، وأما في صلاة التراويح؛ لكم فيها سعة، صلوا فى بيوتكم، واتخذوا بيوتكم قبلة، لن تعدم خيرا "واتعب شوية" ستجد إماما تصلي خلفه إن شاء الله، ولا تتكاسل.
 
و لنا مع هذا الحوار القصير عدة وقفات:
 
الوقفة الأولى
 
قد تبدو شكلية أو هامشية، ولكن تحتاج إلى بيان، فالسائل هنا والصغير وعبد المقصود ما فتأوا منذ زمان بعيد يحاولون ادعاء أن الدعوة السلفية ما هي إلا الشيخ ياسر برهامي و بضعة نفر معه والعجيب أنهم لا ينتبهون إلى أنه من العيب أن تشغل نفسك بهؤلاء البضعة نفر ولا أن تصدر الفتاوى بشأن المساجد التي يؤمها أئمة يعدون على أصابع اليد الواحدة، ولا أن تعلق فشلك على خذلان هؤلاء البضعة نفر، مع أنك تدعي أن عامة أتباعهم قد تركوهم و نزلوا معك ميادين جهادك في مصر و إن فاتهم شرف الجهاد في قطر و تركيا، فبغض النظر عن صيغة السؤال و ما وراءها من ادعاءات متناقضة فالمعلوم أنهم يقصدون الدعوة السلفية.
 
الوقفة الثانية
 
قلنا أننا امتنعنا عن الاشتراك في المحافل التي أمها عبد المقصود والصغير وعبد الماجد وغيرهم لما وجد فيها من التلويح  بالتكفير و العنف.
 
و كان البعض يردد: إذا كنا قد أنكرنا الخطاب المتضمن للتلويح بالتكفير والعنف؛ ألم يكن يسعنا الانسحاب التام من المشهد؟ فكان الجواب أن هذا يترتب عليه أن يتلاشى الخطاب الاسلامي ما بين فريق يواجه الدولة والمجتمع والآخر ينسحب اختياريا من المجتمع، وقلنا أننا تواجدنا للحفاظ على البقية الباقية من الدعوة الإسلامية بعدما دمرها هؤلاء، فكان البعض يحتج علينا بما حدث في الآونة الأخيرة من صور متعددة من الفساد على المستوى الفكري والأخلاقي، بل ربما حملوك هذا، كما فعل وجدي غنيم فخرج سابا أمهات الملتزمين بأنهن "...." بناءًا على كذب ادعاه بأنهم رضوا باختيار راقصة كأم مثالية، في حين أن الأمر كان قاصرا على نادٍ اجتماعي، وكان قد اختار ذات الراقصة لذات اللقب في عهد الدكتور مرسي! مع الفرق أن الحدث مر في عهده بلا انتشار، بينما انتشر بعده وأنكره القاصي و الداني حتى تبرأ أصحابه منه.
 
المهم هنا أن هذا المقطع القصير يدلل بصدق و تلقائية على الأمرين:
 
الاول: وجود خطاب العنف والتكفير، بل تناميه كما سنقرر.
 
الثاني: أن هذا التواجد أبقى مصالح للدين وشعائر تقام منها صلاة القيام فى جماعة في المساجد، وأن البديل –وقد كان خيار الآخر- هو اتخاذ البيوت قبلة أو البحث والتفتيش عن إمام مستتر هنا أو هناك.
 
إن هذه الفتوى لتؤكد ما كنا قد أجبنا عنه مرارًا باختصار من أن من أراد أن يعرف المصالح المترتبة على مواقف الدعوة السلفية في هذه الفتنة فليقارن بين أحوال الدعوة الإسلامية الآن رغم كل المآسي و المتاعب و بين أحوالها عام 1954.
 
الوقفة الثالثة
 
تجاسر (الشيخ) محمد عبد المقصود على رمي أئمة الدعوة السلفية و أئمة الأوقاف بأنهم منافقون، و لم نرَ في التاريخ بعد الخوارج جرأة على الرمي بالنفاق أكثر من هذا، و قد يقول قائل: فلعله يقصد النفاق الأصغر، ومع أن الرمي به لمن لهم اجتهاد شرعي يمكن أن يعتبره هو تأويلاً، أخذ هو والاخوان الذين يحالفهم بمثله بل بأشد منه، وإلا فليخبرنا عن الحكومات في قطر وتركيا ما شأنهم، والأئمة كيف حالهم؟ وهل يصلى وراءهم مع الإعادة أم لا؟ وهل تصلى التراويح هناك أم لا؟ وهذا الذي يراه هنا نفاقا قد أخذ الإخوان بمثله في اليمن، بل تركوا الدفاع عن الشرعية أمام الشيعة (حقنا للدماء) إلى آخر هذا.
 
مع أن إرادة النفاق الأصغر هنا قد يعكر عليها قوله فى نهاية الإجابة: (دا الإمام أحمد قال فى أهل البدع: يصلي خلفه ثم يعيد) وهذا التعبير إنما يرد فى سياق الاستدلال بالأدنى على الأعلى،
 
و أظن أن بعض أنصار (الشيخ) عبدالمقصود هنا أو هناك قد يهللون لجرأته، فليفرحوا بها ما شاءوا، ولكن ليعدوا قبلها للسؤال جوابا.
 
عمومًا لو كان عبد المقصود وأشياعه يرون كفر أبناء الدعوة السلفية و كفر أئمة الأوقاف أو نفاقهم النفاق الأكبر، بل و كفر كل من يصدق عليه وصف "الانقلابي" من وجهة نظرهم حيث كان هذا هو مناط الفتوى، فالواجب عليهم أن يعلنوا هذا وأن يبينوه صراحة، ولا خوف عليهم فى ذلك، فهم هناك في قطر و تركيا.
 
و أما إذا كانون يعتقدون إسلامهم (مشكورين) فعليهم أن يبينوا هذا بدلا من هذا الكلام الذي لن يضر إلا من اعتقده.
 
الوقفة الرابعة
 
كانت فتوى الشيخ عبد المقصود فى شأن من لا يجد إلا إماما من الدعوة السلفية أو من الأوقاف "اتخذوا بيوتكم قبلة" و أظنه يشير إلى قوله تعالى عن قول موسى عليه السلام لقومه: «وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً، وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً، وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ، وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ»
 
و هي أحد أخطر المواطن التي زل فيها الأستاذ سيد قطب عفا الله عنه، وبسبب كلامه فيها اعتبرت جماعة التكفير والهجرة أن أحد أسباب الكفر عندهم (الصلاة فى تلك المساجد) لأنها عندهم معابد الجاهلية على ما فهموه من كلام سيد وقد أعيا ذلك الموطن أنصار سيد قطب -أو إن شئت فقل: رموز جماعة الإخوان الذين بذلوا جهدا كبيرا فى مرحلة السبعينيات و ما بعدها حين عادت الجماعة للمنهج الإصلاحي- لنفي تهمة تبني التكفير والعنف التي خلفها تراث الأربعينيات والخمسينيات والستينيات حتى قال المستشار سالم البهنساوي عن هذا الموضع بالذات من كلام سيد بوجوب تأويله.
 
و نحن نتمنى أن يقول (الشيخ) عبد المقصود أنه لم يقصد تكرار شئ مما ذكره سيد قطب، ولكن سواء قصد أو لم يقصد، فمن حقنا أن نتذكر تلك المآسى عظة وعبرة و ذكرى لمن يتذكر.
 
قال سيد قطب فى الظلال:
 
(«وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً، وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً، وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ، وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ» ..
 
وتلك هي التعبئة الروحية إلى جوار التعبئة النظامية، وهما معاً ضروريتان للأفراد والجماعات، وبخاصة قبيل المعارك والمشقات، ولقد يستهين قوم بهذه التعبئة الروحية، ولكن التجارب ما تزال إلى هذه اللحظة تنبئ بأن العقيدة هي السلاح الأول في المعركة، وأن الأداة الحربية في يد الجندي الخائر العقيدة لا تساوي شيئاً كثيراً في ساعة الشدة.
 
وهذه التجربة التي يعرضها الله على العصبة المؤمنة ليكون لها فيها أسوة، ليست خاصة ببني إسرائيل، فهي تجربة إيمانية خالصة. وقد يجد المؤمنون أنفسهم ذات يوم مطاردين في المجتمع الجاهلي، وقد عمت الفتنة وتجبر الطاغوت، وفسد الناس، وأنتنت البيئة- وكذلك كان الحال على عهد فرعون في هذه الفترة- وهنا يرشدهم الله إلى أمور:
 
-        اعتزال الجاهلية بنتنها وفسادها وشرها- ما أمكن في ذلك- وتجمع العصبة المؤمنة الخيرة النظيفة على نفسها، لتطهرها وتزكيها، وتدربها وتنظمها، حتى يأتي وعد الله لها.
 
-        اعتزال معابد الجاهلية واتخاذ بيوت العصبة المسلمة مساجد، تحس فيها بالانعزال عن المجتمع الجاهلي، وتزاول فيها عبادتها لربها على نهج صحيح وتزاول بالعبادة ذاتها نوعاً من التنظيم في جو العبادة الطهور.)
 
وقد حاول المستشار سالم البهنساوي ترميم هذا الكلام فى كتابه "فكر سيد قطب في ميزان الشرع"
 
فقال تارة:
 
(وهذا يمكن أن يوجد في عصرنا فتوصف بعض المساجد بأنها معابد الجاهلية , كما هو الحال بالنسبة لمعابد القاديانية التي تزعم أن ( الميرزا غلام أحمد ) نبي مطبوع بطابع سيدنا محمد، ثم حرفت في العبادات، وأيضا يمكن أن يقبل وصف بعض المساجد بأنها معابد الجاهلية في الحالات التي تمارس فيها أعمال جاهلية – كالتصفيق للحاكم عند دخوله والهتاف له .)
 
حاول البهنساوي أن يصرف الكلام إلى مساجد القاديانية ليبعد شبهة التكفير عن سيد قطب ولكنه لم يستطع أن يمنع نفسه من إطلاق بعدٍ سياسي، فذكر التصفيق للحاكم، ومع أن هذا الأمر غير جائز، إلا أن تسمية المسجد بمعبد للجاهلية لهذه المخالفة مجازفة كبيرة، ولا أظن أن (الشيخ) عبد المقصود وغيره يرضون أن تطبق هذه القاعدة على البلاد التي يقيمون فيها، ومن أجل ذلك عاد البهنساوي و أنكر هذه التسمية فى هذه الحالة قائلا: (ونحن قد نجد بعض الحكام قد اتخذ من بيوت الله أداة لأعمال الجاهلية –من تصفيق وهتافات له ولجاهليته– وهنا يجب اعتزال هذا المسجد، ومن وصفه بأنه من معابد الجاهلية لا نقره على هذه التسمية، ولكن الاعتزال هنا أمر مباح)
 
ثم أخذ البهنساوي ينقل عن العلماء نقولًا فى تعليل أمر موسى لبني إسرائيل بالصلاة في بيوتهم والتي يمكن تلخيصها في (الخوف) و لا يمكن حملها على ما حملها عليه سيد قطب وتورط معه البهنساوي في شئ منه لسبب بسيط أشار إليه البهنساوي نفسه من أن معابد بني إسرائيل كانت خالصة لهم لا يشاركهم الفراعنة في شئ منها، ولا يفعلون فيها شركًا ولا بدعة ولا شيئا من هذا، ولكن كان الفراعنة يتركون بني إسرائيل يذهبون إلى معابدهم في أمان ثم أصبحوا يؤذونهم، فكان الإذن في الصلاة في البيت من أجل الضرر.
 
الوقفة الخامسة
 
تكلم (الشيخ) عبد المقصود في شأن صلاة القيام فلما سأله (الشيخ) محمد الصغير عن حكم صلاة العشاء قال بالصلاة خلف هؤلاء حفاظًا على الجماعة مع الإعادة مستشهدًا بكلام الإمام أحمد في الصلاة خلف أهل البدع ولخطورة هذه القضية ننقل لك هذا النقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية حيث يقول في مجموع الفتاوى ج 23 صفحة 351 و ما بعدها في معرض إجابته على السؤال "عَنْ الصَّلَاةِ خَلْفَ المرازقة وَعَنْ بِدْعَتِهِمْ"
 
فقال: "وَلَوْ عَلِمَ الْمَأْمُومُ أَنَّ الْإِمَامَ مُبْتَدِعٌ يَدْعُو إلَى بِدْعَتِهِ أَوْ فَاسِقٌ ظَاهِرُ الْفِسْقِ وَهُوَ الْإِمَامُ الرَّاتِبُ الَّذِي لَا تُمْكِنُ الصَّلَاةُ إلَّا خَلْفَهُ كَإِمَامِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالْإِمَامِ فِي صَلَاةِ الْحَجِّ بِعَرَفَةَ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَإِنَّ الْمَأْمُومَ يُصَلِّي خَلْفَهُ عِنْدَ عَامَّةِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَد وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ. وَلِهَذَا قَالُوا فِي الْعَقَائِدِ: إنَّهُ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ وَالْعِيدَ خَلْفَ كُلِّ إمَامٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا، وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْقَرْيَةِ إلَّا إمَامٌ وَاحِدٌ فَإِنَّهَا تُصَلَّى خَلْفَهُ الْجَمَاعَاتُ فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ فَاسِقًا. هَذَا مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ: أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا، بَلْ الْجَمَاعَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى الْأَعْيَانِ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِ أَحْمَد. وَمَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ الْفَاجِرِ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَد. وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ. كَمَا ذَكَرَهُ فِي رِسَالَةِ عبدوس. وَابْنِ مَالِكٍ وَالْعَطَّارِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُصَلِّيهَا وَلَا يُعِيدُهَا فَإِنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يُصَلُّونَ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ خَلْفَ الْأَئِمَّةِ الْفُجَّارِ وَلَا يُعِيدُونَ كَمَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي خَلْفَ الْحَجَّاجِ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ يُصَلُّونَ خَلْفَ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ وَكَانَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ حَتَّى أَنَّهُ صَلَّى بِهِمْ مَرَّةً الصُّبْحَ أَرْبَعًا ثُمَّ قَالَ: أَزِيدُكُمْ؟ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَا زِلْنَا مَعَك مُنْذُ الْيَوْمَ فِي زِيَادَةٍ وَلِهَذَا رَفَعُوهُ إلَى عُثْمَانَ. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا حُصِرَ صَلَّى بِالنَّاسِ شَخْصٌ فَسَأَلَ سَائِلٌ عُثْمَانَ. فَقَالَ: إنَّك إمَامُ عَامَّةٍ وَهَذَا الَّذِي يُصَلِّي بِالنَّاسِ إمَامُ فِتْنَةٍ. فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي إنَّ الصَّلَاةَ مِنْ أَحْسَنِ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ فَإِذَا أَحْسَنُوا فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ وَإِذَا أَسَاءُوا فَاجْتَنِبْ إسَاءَتَهُمْ. وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ. وَالْفَاسِقُ وَالْمُبْتَدِعُ صَلَاتُهُ فِي نَفْسِهِ صَحِيحَةٌ فَإِذَا صَلَّى الْمَأْمُومُ خَلْفَهُ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ لَكِنْ إنَّمَا كَرِهَ مَنْ كَرِهَ الصَّلَاةَ خَلْفَهُ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَاجِبٌ وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَظْهَرَ بِدْعَةً أَوْ فُجُورًا لَا يُرَتَّبُ إمَامًا لِلْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ التَّعْزِيرَ حَتَّى يَتُوبَ فَإِذَا أَمْكَنَ هَجْرُهُ حَتَّى يَتُوبَ كَانَ حَسَنًا وَإِذَا كَانَ بَعْضُ النَّاسِ إذَا تَرَكَ الصَّلَاةَ خَلْفَهُ وَصَلَّى خَلْفَ غَيْرِهِ أُثِرَ ذَلِكَ حَتَّى يَتُوبَ أَوْ يُعْزَلَ أَوْ يَنْتَهِيَ النَّاسُ عَنْ مِثْلِ ذَنْبِهِ. فَمِثْلُ هَذَا إذَا تَرَكَ الصَّلَاةَ خَلْفَهُ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ وَلَمْ يَفُتْ الْمَأْمُومَ جُمُعَةٌ وَلَا جَمَاعَةٌ. وَأَمَّا إذَا كَانَ تَرَكَ الصَّلَاةَ يَفُوتُ الْمَأْمُومَ الْجُمُعَةُ وَالْجَمَاعَةُ فَهُنَا لَا يَتْرُكُ الصَّلَاةَ خَلْفَهُمْ إلَّا مُبْتَدِعٌ مُخَالِفٌ لِلصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْإِمَامُ قَدْ رَتَّبَهُ وُلَاةُ الْأُمُورِ وَلَمْ يَكُنْ فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ خَلْفَهُ مَصْلَحَةٌ فَهُنَا لَيْسَ عَلَيْهِ تَرْكُ الصَّلَاةِ خَلْفَهُ بَلْ الصَّلَاةُ خَلْفَ الْإِمَامِ الْأَفْضَلِ أَفْضَلُ وَهَذَا كُلُّهُ يَكُونُ فِيمَنْ ظَهَرَ مِنْهُ فِسْقٌ أَوْ بِدْعَةٌ تَظْهَرُ مُخَالَفَتُهَا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَبِدْعَةِ الرَّافِضَةِ وَالْجَهْمِيَّة وَنَحْوِهِمْ. وَمَنْ أَنْكَرَ مَذْهَبَ الرَّوَافِضِ وَهُوَ لَا يُصَلِّي الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ بَلْ يُكَفِّرُ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ وَقَعَ فِي مِثْلِ مَذْهَبِ الرَّوَافِضِ فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا أَنْكَرَهُ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَيْهِمْ تَرْكُهُمْ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ وَتَكْفِيرَ الْجُمْهُورِ."
 
و نأخذ من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أمورًا
 
1- أن مصلحة الحفاظ على الصلاة في جماعة لا تقتصر على الصلوات الخمس المفروضات، بل تتعداها إلى كل موطن كانت الجماعة شعيرة فيه كالعيدين و خطبة الحج، ولا شك أن القيام مثلها، فتطبيق (الشيخ) عبد المقصود للمسألة فيه خلل ظاهر.
 
2- أن عمل الصحابة أنهم إذا صلوا خلف من كان ظاهر الفسق و البدعة ألا يعيدوا ومن قال خلاف ذلك  فقد خالف السنة، إلا إذا كان يعتقد كفرهم كما أومأ إليه ابن تيمية فى قوله فيمن يترك الصلاة خلف شر أهل البدع كالروافض فجعله شرًا منهم حيث قال:
 
" وَمَنْ أَنْكَرَ مَذْهَبَ الرَّوَافِضِ وَهُوَ لَا يُصَلِّي الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ بَلْ يُكَفِّرُ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ وَقَعَ فِي مِثْلِ مَذْهَبِ الرَّوَافِضِ فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا أَنْكَرَهُ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَيْهِمْ تَرْكُهُمْ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ وَتَكْفِيرَ الْجُمْهُورِ."
 
3- أنه يحلو لبعض هؤلاء أن يجعل الانقلاب -بحسب توصيفهم- وتأييده هو أعظم الذنوب، حتى عده "أبو بركة" أعظم من الشرك بالله والأثر الوارد عن عثمان رضي الله عنه في أمره بالصلاة خلف هؤلاء الخوارج الذين خرجوا عليه و "انقلبوا" عليه مع أنه كان أفضل أهل زمانه و هم من حثالة القوم يرد على هؤلاء فلعلهم يتعظون.
 
مع أنهم فيما يتعلق بوضع الدكتور مرسي اضطروا بعد فوات الأوان أن يعترفوا بأن الاعتراضات عليه كانت قوية و شعبية ولكنها كانت تطالب بانتخابات رئاسية مبكرة بينما قام الجيش بعزله.
 
4- مذهب الإمام أحمد فى إعادة الصلاة ليس على إطلاقه وقد بينه شيخ الإسلام في موطن آخر في مجموع الفتاوى ج 23 صفحة 344
 
(وَحِينَئِذٍ فَإِذَا صَلَّى خَلْفَ الْفَاجِرِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَهُوَ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ لِلْعُلَمَاءِ. مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: أَنَّهُ يُعِيدُ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا لَا يُشْرَعُ بِحَيْثُ تَرَكَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الْإِنْكَارِ بِصَلَاتِهِ خَلْفَ هَذَا فَكَانَتْ صَلَاتُهُ خَلْفَهُ مَنْهِيًّا عَنْهَا فَيُعِيدُهَا. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يُعِيدُ. قَالَ: لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي نَفْسِهَا صَحِيحَةٌ وَمَا ذُكِرَ مِنْ تَرْكِ الْإِنْكَارِ هُوَ أَمْرٌ مُنْفَصِلٌ عَنْ الصَّلَاةِ وَهُوَ يُشْبِهُ الْبَيْعَ بَعْدَ نِدَاءِ الْجُمُعَةِ. وَأَمَّا إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الصَّلَاةُ إلَّا خَلْفَهُ كَالْجُمُعَةِ فَهُنَا لَا تُعَادُ الصَّلَاةُ وَإِعَادَتُهَا مِنْ فِعْلِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَقَدْ ظَنَّ طَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ إذَا قِيلَ: إنَّ الصَّلَاةَ خَلْفَ الْفَاسِقِ لَا تَصِحُّ أُعِيدَتْ الْجُمُعَةُ خَلْفَهُ وَإِلَّا لَمْ تُعَدْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. بَلْ النِّزَاعُ فِي الْإِعَادَةِ حَيْثُ يُنْهَى الرَّجُلُ عَنْ الصَّلَاةِ. فَأَمَّا إذَا أُمِرَ بِالصَّلَاةِ خَلْفَهُ فَالصَّحِيحُ هُنَا أَنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْعَبْدَ لَمْ يُؤْمَرْ بِالصَّلَاةِ مَرَّتَيْنِ.)
 
فالإعادة هنا فرع على قاعدة: أثر النهي في المنهي عنه عند الحنابلة ولهم فيها تفصيلات، ومن ثم كان للإمام أحمد في المسألة روايتان و يجب تقديم الراوية الموافقة للجمهور، ولفعل الصحابة على غيرها والأهم أن الإعادة عندما لا يوجد إلا هذا هي من باب البدع التي لم يقل بها أحمد ولا غيره ومن الواضح أن سؤال السائل أنه كان يقول أينما يولي لا يجد إلا أئمة الأوقاف وأئمة الدعوة السلفية حفظها الله وأعانها على أن تبقى تقيم ما تقدر عليه من شعائر الله.
 
5- مرة أخرى أرجو أن يتأمل (الشيخ) عبد المقصود و من حذا حذوه فى هذه العبارة من شيخ الاسلام ابن تيمية:
 
(" وَمَنْ أَنْكَرَ مَذْهَبَ الرَّوَافِضِ وَهُوَ لَا يُصَلِّي الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ بَلْ يُكَفِّرُ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ وَقَعَ فِي مِثْلِ مَذْهَبِ الرَّوَافِضِ فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا أَنْكَرَهُ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَيْهِمْ تَرْكُهُمْ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ وَتَكْفِيرَ الْجُمْهُورِ.")
 
الوقفة السادسة
 
نصح (الشيخ) عبد المقصود السائل بأن يبحث قليلا و سوف يجد إمامًا يصلي خلفه، وهذا لا يخلو من أمرين:
 
الأول:أن هذا الإمام يجهر بما يراه عبد المقصود حقا و بما يرى أن السكوت عنه خيانة، وهذه قد تكون شهادة في حق النظام لا أظنه يمكن أن يرضى و لو بشطرها.
 
الثاني: أن هذا سيكون و بنفس أسلوب تنزيل "اجعلوا بيوتكم قبلة" على الوضع الحالي في مصر فسيكون هذا الإمام "مؤمن يكتم إيمانه" و يدعي الانتساب إلى هؤلاء الذين يراهم (الشيخ) عبد المقصود منافقين، ومعنى هذا: أن (الشيخ عبد المقصود) ينصح السائل أن (يفتش) عن نيات الأئمة وسوف يجد فيهم من صلح للصلاة خلفه، ولا أريد أن (أتوقع) ما وراء ذلك، فالتاريخ قد أغنانا عن التوقع، ففيه عبرة لمن أراد أن يعتبر.
 
الوقفة السابعة
 
سؤال: فتوى عدم صلاة القيام و صلاة الفريضة مع الإعادة خلف من يؤيد ما يسميه (بالانقلاب) في مصر هل تنطبق على الحرم أم لا؟ (مجرد سؤال لنعرف المدى الجيوسياسي للفتوى)
 
الخاتمة
 
اصطدم الاخوان مع عبد الناصر فى 54 بعدما أيدوه عامين كاملين في كل تصرفاته، بما فى ذلك إعدام عمال كفر الدوار وحل جميع الأحزاب، ثم اصدموا معه، مع أن رأى أحد كبار مؤرخيهم (محمود عبد الحليم) أن تفادي الصدام كان ممكنا جدا لولا تعنت عبد القادر عودة رحمه الله، ثم دخلت البلاد في دوامة وصارت الحرب بين الدولة والإخوان في حين فضلت الجماعات الإسلامية الأخرى والتي كان بعضها أسبق وجودا من الإخوان إلا أنهم كانوا قد تركوا دفة الأمور للإخوان، ففضلوا حيئنذ الانزواء وخلا الجو للمناهج الغربية فعششت في عقول الشباب حتى من الله على مصر بنبتة من الشباب قرأوا ما وصل لأيديهم من كتب لعلماء السلف و السلفية كابن تيمية وابن القيم والألباني وابن باز وغيرهم، فبدأوا دعوات تحذر أكثر ما تحذر من التغريب والعلمنة في اتجاه، ومن الانجراف إلى تيار التكفير والعنف في اتجاه، فعملت الدعوة في سلمية وعلنية، وبذرت بذورها التى بارك الله فيها.
 
و كان من نتاج هذا أن خرج الإخوان من السجون بعد حوالي عشرين سنة، وتصدر المشهد عندهم من يعلن رفض التكفير والعنف، ونادوا شباب الحركة الإسلامية الجامعة آنذاك (والتي كانت تسمى حينها بالجماعة الإسلامية) أن يمزجوا حماس الشباب بخبرة شيوخ الإخوان، فأجاب فريق منهم و امتنع فريق (خشية أن تعود الإخوان إلى سابق أخطائها)
 
و دار الزمان دورته و عادت الجماعة ومعها حلفاء آخرين لذات الأخطاء وبقيت الدعوة السلفية لم تذهب معهم ولم تنزوِ فأبقت من يقوم بما يقدر عليه من شئون الدعوة ومنها صلاة القيام في رمضان أحد أهم مواسم الطاعات.
 
و لكن البعض مغرم بتكرار ذات الأخطاء المنهجية و السياسية ومغرم في ذات الوقت بمحاربة من يمنعه من غيه.
 
ولا يسعنا إلا أن ندعوا كل عقل ليوازن بين تجربة الصدام بين الإخوان و الدولة فى 54 و 2013 ليدرك أثر اتباع الشرع في ضبط الأمور و تغليب العقل على العاطفة.
 
نسأل الله أن يرينا الحق حقًا و يرزقنا اتباعه و أن يرينا الباطل باطلا و يرزقنا اجتنابه، وألا يجعله ملتبسا علينا فنضل، اللهم آمين.