د. خالد آل رحيم - المنهج الرباني أم المنهج الإنساني - بوابة الفتح الالكترونية
د. خالد آل رحيم
2015-06-23 05:09:00

إن الله تعالى لم يخلق الناس عبثًا ولم يتركهم هملًا؛ إنما خلقهم بقدر، وأنزل لهم منهجًا، ‏وقيَّض له رسلًا يعملون به ويدعون إليه، ولم يدع سبحانه وتعالى لأحد مِن الخلق ‏فرصة لابتداع منهجًا خاصًا به، بل شدد في ذلك وتوعد مَن يتعدى حدوده بأليم ‏العقاب, ومع ذلك تجاوز الكثير مِن الناس تلك الحدود وابتدعوا مناهج منحرفة ‏وطرقات معوجة بحثًا عن مناصب أو مال أو شهرة أو سطوة، دون النظر إلى تبعات ‏هذه الأمور؛ فكان السقوط المدوي والحسرة والألم على فوات الدنيا؛ لأنهم لم يرتبطوا ‏بمنهج رباني له قواعد وأصول، وإنما اعتمدوا على مناهج بشرية إنسانية قاصرة تضر ‏أكثر مِن أن تُفيد, ولذلك لـمَّا أراد الله تعالى أن يُرسل محمدًا صلى الله عليه وسلم -في وقت كان قد غضب على كل مَن في الأرض إلا بقايا مِن أهل الكتاب- وضع ‏له منهجًا عظيمًا، عندما طبقه تطبيقًا عمليًّا في أرض الواقع ظهرت ثمرته؛ ففي غضون ‏سنوات معدودة أقيمت دولة الإسلام، وهذا هو الفارق بين مَن ينتهج المنهج الرباني ‏الواضح والذي تكون مِن ثمراته دولة الإسلام الحقيقية، وبين مَن ينتهج المنهج الإنساني القاصر الذي يتخذ كل الوسائل دون النظر إلى ‏مشروعيتها مِن عدمها والنتيجة تخبط في دياجير الظلام، فلا شريعة نصر ولا دولة ‏أقام, وهذا المنهج الربانى بيَّنه تعالى في ثلاثة مواطن متفرقة في كتابه الكريم -‏أسميتها الأصول الثلاثة-‏ فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخلو بغار حراء فيمكث فيه ليالي متواليات ‏يتعبد على الفطرة السليمة وفي أحدى المرات جاءه جبريل عليه السلام فقال:‎ ‎اقرأ. قال: ‏ما أنا بقارئ. قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلت: ما أنا ‏بقارئ.‎

‎فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا ‏بقارئ فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال: "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ...". الآيات.


وهذا هو الأصل الأول: العلم، ويعد هذا أعظم دليل على أهمية العلم في حياة الإنسان ‏عمومًا فضلًا عن المسلم، ولذلك بدأ تعالى الوحي بالتنبيه عليه، وقد ذُكرت لفظة العلم ‏في القرآن الكريم بمشتقاتها أكثر من ستمائة مرة، وقال صلى الله عليه وسلم كما عند الترمذي: «ألا إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، وعالم أو متعلم».


وبعد نزول هذه الآيات ذهب صلى الله عليه وسلم فزعًا خائفًا إلى خديجة وهو يقول: ‏زَمِّلُوني زَمِّلُوني.


(والـمُتَزَمِّل كما يقول البقاعي في نظم الدرر: هو التلفف بالثوب على جميع البدن، والاختفاء ولزوم مكان واحد) فأنزل الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمْ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلًا".


وهذا الأصل الثاني:‏ والمتأمل فيه يجد أن الله تعالى يقول لنبيه أنك بعد أن تتعلم قم، فلا وقت للتزمُّل ‏والمكوث وهي رسالة كذلك للجميع، وأخبره لاحقًا بعلة هذا وبطبيعة الطريق فقال تعالى: ?إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا?.


فقال: «عَلَيْكَ»، ولم يقل: «إليك»؛ قال البقاعي: ولـمَّا كان المقام لبيان الصعوبة، عبَّر بأداة الاستعلاء فقال: «عَلَيْكَ».‏


والقول الثقيل لما فيه مِن التكاليف الشاقة مِن جهة حملها وتحميلها للمدعوين؛ لأنها ‏تضاد الطبع وتخالف النفس، ثم أخبرهبتعبات حمل هذه الأمانة الثقيلة فقال: "وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ ‏هَجْرًا جَمِيلًا‏".

‏ثم بعد فترة ظَهَر جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم على حقيقته، ففزع ‏منه وذهب إلى بيته خائفًا وهو يقول: دثروني، فقال تعالى: "يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ"؛ فكان الله تعالى يقول له: يا محمد بعد أن تعلمت وأقمت ذلك في واقعك فلتخرج الآن ‏إلى الناس وتدعوهم إلى هذا المنهج المبارك، وكذلك أخبره بطبيعة الطريق وذكَّره ‏بالصبر قائلًا: "وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ".


قال في نظم الدرر: ولما كان الإنذار يتضمَّن مواجهة الناس بما يكرهون، وذلك عظيم ‏على الإنسان، وكان المفتر عن الداعي أحد أمرين: تركه ما يؤمر به، وطلبه عليه الأجر، كما أن الموجب لاتباعه عمله بما دعا إليه وبعده عن أخذ الأجر عليه. ‏


والمتأمل في هذه الآيات يجد منهجًا ربانيًا عظيمًا أُسِّس على ثلاثة أصول: العلم والعبادة والدعوة، والواقع المصري خير دليل على ذلك؛ فعندما تتابعت الفتن ‏وتساقطت مثل القطر مِن السماء؛ ظهر معدن كل دعوة ومنهج، وتبيّن مَن بكى ممن تباكى، وسقطت كل المناهج التي تتبع ‏أراء الرجل، وصمد أصحاب المنهج الرباني المنبثق مِن الكتاب والسُّنَّة؛ لمعرفتهم طبيعة ‏الطريق ومتطلبات المرحلة؛ كما أُخبر بذلك صلى الله عليه وسلم بأن السبيل هو العلم والعبادة والدعوة وحمل ‏هذه الأمانة الثقيلة والصبر عليها؛ لأن المعركة مع الشهوات والشبهات طويلة، فنجد التذكير مِن الله تعالى لنبيه بالصبر ‏على العبادة والصبر على الدعوة وحمل الأمانة.‏


جعلنا الله تعالى ممن ينصرون دينه وسُنَّة نبيه صلى الله عليه وسلم .. وآخر دعوانا أن ‏الحمد لله رب العالمين.