د. أحمد فريد - مِن أخلاق النصر في جيل الصحابة رضي الله عنهم... اتهامهم أنفسهم دائمًا بالتقصير وغلبة الخوف عليهم - بوابة الفتح الالكترونية
د. أحمد فريد
2015-06-18 23:50:00

كما يقولون: المؤمن يزرع رطبًا ويخاف أن يُثمر شوكًا، والمنافق يزرع شوكًا ويرجو أن يُثمر رطبًا. ومِن علامات النجاة: أن يجمع العبد بين الاجتهاد في الطاعة والعبادة والخوف مِن الله عز وجل، ومِن علامات الهلاك: أن يجمع العبد بين التقصير في طاعة الله عز وجل والأمن مِن مكر الله عز وجل؛ فقد كان الصحابة رضي الله عنهم -مع اجتهادهم في طاعة الله عز وجل- يتهمون أنفسهم بالتقصير، ويغلب عليهم الخوف مِن الله عز وجل.
 
قال الحسن البصري: إن المؤمنين قوم ذلت منهم -والله- الأسماع والأبصار والجوارح حتى يحسبهم الجاهل مرضى وإنهم والله الأصحاء، ولكن دخلهم مِن الخوف ما لم يدخل غيرهم، ومنعهم مِن الدنيا علمهم بالآخرة، فقالوا: الحمد لله الذي أذهب عنَّا الحزن، أما والله ما أحزنهم، ما أحزن الناس ولا تعاظم في قلوبهم شيءٌ طلبوا به الجنة إنه من لم يتعز بعزاء الله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات، ومَن لم يرَ لله عليه نعمة في غير مطعم أو مشرب فقد قلَّ علمه وحضر عذابه.
 
عن أنس قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط، قال: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا» فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم ولهم خنين ...، فقد كان الصحابة رضي الله عنهم يتهمون أنفسهم بالتقصير، ويغلب عليهم الخوف مِن الله عز وجل.
 
1- دخل عمر ابن الخطاب رضي الله عنه على أبي بكر الصديق رضي الله عنه فوجده يجبذ لسانه بيده، فقال له: مه! غفر الله لك، فقال: «هذا الذي أوردني الموارد».
 
وكان يقول: «وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن».
 
2- قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه سورة (الطور) فلما بلغ قوله تعالى: ?إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ? بكى واشتد بكاؤه حتى مرض وعادوه.
 
وقال لابنه وهو يموت: ويحك! ضع خدِّي على التراب؛ عساه يرحمني، ثم قال: «ويل أمي إن لم يغفر لي» ثلاثًا ثم قضى.
 
وكان يمر بالآية في ورده بالليل تخيفه فيبقى في البيت أيامًا يحسبونه مريضًا. وكان في وجهه خطان أسودان مِن كثرة البكاء.
 
وقال له ابن عباس بعد أن طُعِن: «مصَّر الله بك الأمصار، وفتح بك الفتوح، وفعل وفع»ل. فيقول: «وددت أني أنجو لا أجر ولا وزر».
 
3- وهذا عثمان رضي الله عنه كان إذا وقف على القبر بكى حتى تبتل لحيته ويقول: «لو أنني بين الجنة والنار ولا أدري إلى أيتهما أصير لاخترت أن أكون رمادًا قبل أن أعلم إلى أيتهما أصير».
 
4- وكان ابن عباس أسفل عينيه مثل الشراك البالي مِن كثرة الدموع.
 
5- وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه قال: «ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا؛ فوالذي نفسي بيده لو يعلم العلم أحدكم لصرخ حتى ينقطع صوته، وصلى حتى ينكسر صلبه».
 
6- وهذا عمران بن حصين رضي الله عنه يدخل عليه بعض أصحابه وكان قد ابتلي في جسده، فيقول له نفر منهم: إنا لنبأس لك لما نرى فيك، فقال: لا تبتئس بما ترى؛ فإن ما ترى بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر، ثم تلا هذه الآية: ?وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ? (الشورى: 30).
 
7- وهذا أبو الدرداء رضي الله عنه يصيبه المرض ويدخل عليه أصحابه ليعودوه فيقولون له: أي شيء تشتكي؟ فيقول: ذنوبي. فيقولون: أي شيء تشتهي؟ فيقول: الجنة.
 
وهذه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها كانت تصدع فتضع يدها على رأسها وتقول: «بذنبي وما يغفره الله أكثر».