زين العابدين كامل - عبادة الخلوة بداية الانطلاق - بوابة الفتح الالكترونية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد؛
ذكر أهل السِّيَر أنه قبل البعثة بسبع سنوات تقريبًا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُشاهد نورًا ولمعانًا، وطالما كان يفرح حين يشعر بهذا النور، وكلما قرب زمن البعثة كلما مال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العزلة والخلوة؛ فكان صلى الله عليه وسلم يحمل معه في معظم الأحيان الماء والسويق، ويذهب إلى مكان في جبل يبعد عن المدينة عدة أميال يُقال له «غار حراء» في جبل النور، على مبعدة نحو ميلين مِن مكة، وهو غار لطيف طوله أربعة أذرع، وعرضه ذراع وثلاثة أرباع ذراع، فيُقيم فيه شهر رمضان، يُطعم مَن جاءه مِن المساكين، ويقضي وقته في العبادة والتفكير فيما حوله مِن مشاهد الكون، وفيما وراءها مِن قدرة مبدعة، وهو غير مطمئن لما عليه قومه مِن عقائد الشرك المهلهلة، وتصوراتها الواهية، ولكن ليس بين يديه طريق واضح، ولا منهج محدد، ولا طريق قاصد يطمئن إليه ويرضاه، وكان اختياره صلى الله عليه وسلم لهذه العزلة طرفًا مِن تدبير الله له، وليُعِدّه لما ينتظره مِن الأمر العظيم.
 
ولا بد لأي روح يُراد لها أن تؤثر في واقع الحياة البشرية فتحولها لوجهة أخرى، لا بد لهذه الروح مِن خلوة وعزلة بعض الوقت، وانقطاع عن شواغل الأرض وضجة الحياة، وهموم الناس الصغيرة التي تشغل الحياة. وهكذا دبَّر الله لمحمد صلى الله عليه وسلم وهو يعده لحمل الأمانة الكبرى، وتغيير وجه الأرض، وتعديل خط التاريخ؛ فالخلوة كانت هي بداية الطريق، وكانت هي بداية الانطلاق، وكانت هي التهيئة الحقيقية لتحمُّل الأمانة الكبرى والرسالة المحمدية، ومِن ثَمَّ لا بد لنا أن نبدأ مِن حيث بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم، ومِن هنا ننطلق، فمِن علامات صحة القلب: أن يستوحش العبد مِن الناس إلا ممن يدله على الله عز وجل ويذكره به، فالمؤمن يحب الخلوة؛ لأنه يخلو بالله عز وجل، وإذا أحب أحد أحدًا أحب أن يخلو به.
قيل لأحد العُبَّاد: ألا تستوحش وحدك؟ قال: كيف ذلك وهو يقول: أنا جليس مَن ذكرني.
وقيل الاستئناس بالناس مِن علامات الإفلاس، فمِن علامات صحة القلب: أن يستوحش مِن الناس إلا ممن يدله على الله عز وجل ويذكره به؛ فيكون كلام الله عز وجل والكلام عنه سبحانه أحب شيء إلى قلبه. وقد ذكر الذهبي في ترجمة الإمام أحمد في سير أعلام النبلاء ما نصه: «وكان يحب الخمول والانزواء عن الناس، ويعود المريض، وكان يكره المشي في الأسواق، ويُؤْثِر الوحدة».
قال فتح بن نوح: سمعت أحمد بن حنبل، يقول: أشتهي ما لا يكون، أشتهي مكانًا لا يكون فيه أحد مِن الناس، وقال الميموني: قال أحمد: رأيت الخلوة أروح لقلبي.
عَن شَقِيق الْبَلْخِي أَنه قَالَ: طلبنا خمسًا فَوَجَدْنَاهَا فِي خمس طلبنا بركَة الْقُوت فوجدناه فِي صَلَاة الضُّحَى، وطلبنا ضِيَاء الْقُبُور فوجدناه فِي صَلَاة اللَّيْل، وطلبنا جَوَاب مُنكر وَنَكِير فوجدناه فِي قِرَاءَة الْقُرْآن، وطلبنا عبور الصِّرَاط فوجدناه فِي الصَّوْم وَالصَّدَقَة، وطلبنا ظلَّ الْعَرْش فوجدناه فِي الْخلْوَة، ولعل شقيق يُشير ويقصد حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ فِي خَلاءٍ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَرَجُلٌ كَانَ قَلْبُهُ مُعَلَّقًا فِي الْمَسْجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ إِلَى نَفْسِهَا، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَمْ تَعْلَمْ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ». متفق عليه.
 
وقال أحد السلف: «عَوِّد نفسك الخلوة بربك؛ فستخلوا به في القبر طويلًا»، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: «اطلب قَلْبك فِي ثَلَاثَة مَوَاطِن؛ عِنْد سَماع الْقُرْآن، وَفِي مجَالِس الذِّكر، وَفِي أَوْقَات الْخلْوَة، فَإِن لم تَجدهُ فِي هَذِه المواطن؛ فسل الله أَن يمن عَلَيْك بقلب فَإِنَّهُ لَا قلب لَك»؛ فالخلوة مِن الأعمال الصالحة، بل هي مِن أوثق الأعمال وأجلِّها، قال الحسن البصري حينما سُئِل: ما بال أهل الليل على وجوههم نور؟ قال: لأنهم خلوا بربهم فألبسهم مِن نوره، وانظر وتأمل الفريق الآخر فهم على النقيض تمامًا، عَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «لأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا»، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا، أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لاَ نَعْلَمُ، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا». رواه ابن ماجة، وصححه الألباني.
فهؤلاء على النقيض، يعصون الله في الخلوة، فقارن بين الفريقين، هذه نتيجة مَن يخاف الله في الخلوة ومَن دعته نفسه والشيطان للمعصية، ولكن تنهاه مراقبته لله أن يعصيه طرفة عين؛ فكانت النتيجة الظل الظليل يوم القيامة، والصنف الآخر هتكوا محارم الله في الخلوة، ولم يستشعروا معنى المراقبة؛ فكانت حسناتهم هباءً منثورًا والعياذ بالله.
 
فمراتب الدين ثلاثة: الإسلام والإيمان والإحسان، فأعظمها الإحسان، والإحسان: هو المراقبة لله تعالى، أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك .
وكم سقط الناس ورسبوا في هذه المرتبة العظيمة مِن مراتب الدين؛ قال ابن رجب رحمه الله: «وإن خاتمة السوء تكون بسبب دسيسة باطنة للعبد لا يطَّلع عليها الناس»، وإذا علم العبد هذه المعاني وجب عليه أن يراقب ربه في كل حركاته وسكناته. والمراقبة: هي دوام علم العبد وتيقنه باطِّلاع الحق سبحانه وتعالى على ظاهره وباطنه، وهي ثمرة علم العبد بأن الله رقيب عليه، ناظرٌ إليه، سامع لقوله، وهو سبحانه مطلع على عمله كل وقت وكل طرفة عين؛ قال الله تعالى: ?وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ? (الحديد: 4)، وقال تعالى: ?وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ? (البقرة: 235)، وقال: ?وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا? (الأحزاب: 52).
 
إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل             خلوتُ ولكن قل عليَّ رقيبُ
ولا تحسبنَّ الله يغفــل ســـاعــةً          ولا أن ما تخفي عليه يغيبُ
 
قال حُميد الطويل لسليمان بن عليّ: عظني. فقال: لئن كنت إذا عصيت الله خاليًا ظننت أنه يراك لقد اجترأت على أمر عظيم، ولئن كنت تظن أنه لا يراك فلقد كفرت، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ماذا يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري أينما رحت لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي مِن بلدي سياحة»، فسبحان الله هو يعتبر مكثه في السجن بين جدرانه خلوة بالله تعالى، إنها كلمات تضيء النفوس، وتنبهر بها العقول، وتهتز لها القلوب، فهيا بنا نجاهد أنفسنا ونحاول أن نحيي قلوبنا بعبادة الخلوة، وهذا بلا شك يحتاج إلى تمرين وتدريب ومصابرة، نحاول لدقائق معدودة أن يجلس أحدنا وحده يستغفر أو يسبح أو يصلي ركعتين في ظلمة الليل، أين نحن مِن الخلوة بالله عز وجل في وقت الإذن العام والنزول الإلهي (في ثلث الليل الآخر ينزل ربنا جل وعلا إلى سماء الدنيا ينادي ويقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل مِن تائب فأتوب عليه؟ هل مِن مستغفر فأغفر له؟)، فهيا بنا ننطلق، فالخلوة هي بداية الانطلاق. والله المستعان.