عماد المهدي - حق المواطن في الدستور - بوابة الفتح الالكترونية
عماد المهدي
2013-10-31 13:32:00

يبدو أن الوقت لم يفت للحديث عن حق المواطن فى دستور يعبر عن طموحاته وتطلعاته ويحمى حقوقه ويصون حرياته، فما زالت لجنة الخمسين ولجانها الفرعية فى تسابق مع الزمن من أجل إنجاز دستور يعبر عن شعب قام بثورة لها أهدافها المحددة فى العيش والحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية إلا أن البعض رأى أن دستور 2012 لم يكن معبرًا ولا ملبيًا لطموحات هذا الشعب وشعارات ثورته، فأراد أن يعيد النظر في بعض مواده التى ربما لم تتناسب مع مقتضيات اللحظة ومتطلبات المرحلة، وهو ما عبرت عنه خارطة الطريق التى تم التوافق عليها فى الثالث من يوليو الماضى حينما نصت على تعديلات على الدستور القائم دون وضع دستور جديد للبلاد، ولهذا الأمر مبررات عدة لا مكان لعرضها الآن، ولكن ما يهم أننا بصدد إجراء تعديلات على الدستور القائم بما يتناسب مع اللحظة الراهنة التى تعيشها البلاد دون تهوين من طرف أو تهويل من طرف آخر.

وإذا ما كنا نقوم بإدخال تعديلات على نصوص الدستور ومواده، فمن المهم أن نسجل ثلاثة ملاحظات قد تساعد القائمين على هذا المهمة الوطنية، أبرزها ما يلى:

أولا- لابد أن يدرك الجميع أن بناء الدول والمجتمعات يقومان على عقدين متلازمين؛ عقد اجتماعى وعقد سياسى.فكثيرًا ما يحدث خلط بين العامة فى القول بأن الدستور هو عقد اجتماعى بين الحاكم والمحكوم، فى حين أن الحقيقة أن الدستور هو عقد اجتماعى بين أبناء الشعب أو الجماعة الوطنية من أجل تنظيم حقوقهم وضمان حرياتهم دون افتئات من أحد على آخر أو تعدى على أية حقوق مصانة بمقتضى مواد هذا الدستور، دون أن يكون الحاكم طرًفا فى هذا العقد، لأن مقتضى وجود الحاكم طرفًا يُعنى أن له مركزًا قانونيًا مساويًا للشعب وللمحكومين أى أننا ازاء حاكم له مركز قانوني تعاقدي مكافئ لمركز الشعب، ولكل منهما حقوق والتزامات متقابلة وهذا ما يخالف مقتضى العقد الاجتماعى وفكرته المبنية على تحقيق التوازن بين حرية الفرد وحاجته للعيش فى وسط اجتماعى، فى حين أن العلاقة بين الشعب والحاكم ينظمها ما نطلق عليه العقد السياسى وتقوم فكرته على مسئولية الحاكم فى إدارة شئون البلاد بشكل يتوافق ومصالح المجتمع من أجل خلق حالة من الرفاهية والمستقبل الزاهر، بالإضافة إلى ضمان أمن وممتلكات وحريات المواطنين دون تمييز. وهكذا، يترتب على هذا التمييز بين العقد الاجتماعى والسياسى نتيجة مهمة مفاداها أن الحاكم يمارس السلطة، ليس كامتياز شخصي له، ولأسرته، وعشيرته، بل بوصفه نائبًا أو ممثلًا عن الجماعة ولمصلحتهما.ولهذه الجماعة الحق في مراقبته ومسائلته وعزله. وأن الدستور بمعنى العقد الاجتماعى أسمى من الحاكم، لكونه هو من يأتي بهذا الحاكم ويخلع عليه هذه الصفة ويمنحه شرعية الحكم، ثم يأتى العقد السياسى لينظم ممارسة الحاكم لسلطاته طبقًا لما رسمه الدستور.

ثانيًا- فى تلك المرحلة المهمة من تاريخ مصر والتى تُكتب فيها ولادة دولة جديدة على أسس راسخة ومنطلقات محددة يتوافق عليها الجميع؛ بدءًا من هوية الدولة وشكلها مرورًا بنظامها السياسى وآليات الحكم فيها، وصولاً إلى حقوق الافراد وحرياتهم، وجب على من يتحمل مسئولية صياغة هذه المبادئ والقيم والحقوق والحريات أن يعى أن ثمة رابط واضح بين حقوق الأفراد وحرياتهم وبين الحفاظ على كيان الدولة واستمرارها.

فمن غير المعقول أن يتحدث البعض عن هيبة الدولة وسيادتها واستقلالها دون أن يكون هذا الحديث مرتبطًا بسيادة القانون والمساواة بين المواطنين كافة، مع تطبيق العدالة الإنتقالية المؤدية إلى المصالحة الوطنية باعتبارها الضمانة الوحيدة لبناء الدولة العصرية المنشودة.

فلا يمكن الحديث عن الأمن بكافة مدلولاته ومقتضياته وصوره وأشكاله دون أن يرتبط ذلك بقيمة الحرية التى تمثل الأيقونة الأكثر الهامًا للفرد والتى حرصت الأديان السماوية كافة على تأكيدها وضمانها مع الفهم الصحيح لهذه القيمة دون توسيع أو تضييق.

ثالثًا- تضمّن دستور 2012 فى نصوصه ومواده الكثير من الحقوق التى لم تكن واردة فى دساتير مصر السابقة وعلى نحو أكثر تفصيلاً، فى حين أن الاطلاع على المسودة الأولية التى انتهت إليها لجنة الخبراء المعروفة بلجنة العشرة اختزلت الكثير من هذه النصوص فى كلمات عامة وفضفاضة أعطت للمشرع العادى فى كثير منها الحق فى تنظيمها بما قد يؤدى إلى إفراغها من مضمونها، صحيح أن هناك نصًا واردًا فى مشروع الخبراء وتحديدًا فى المادة (68) بأن: "الحقوق والحريات اللصيقة بشخص المواطن لا تقبل تعطيلاً ولا انتقاصًا، ولا يجوز لأى قانون ينظم ممارسة الحقوق والحريات أن يقيدها بما يمس أصلها وجوهرها"، إلا أنه من الصحيح أيضًا أن ثمة فارق بين الحقوق والحريات اللصيقة بشخص الإنسان والتى تكاد تنحصر فى أربعة حقوق كما يعرفها الحقوقيون، وبين حزمة الحقوق والحريات الأخرى غير اللصيقة بما يفتح الباب واسعًا أمام المشرع العادى لأن يتحكم بما يراه أو يتفق آنذاك مع توجهاته وأفكاره، فإن كان مؤمنًا ومدافعًا عن منظومة الحقوق والحريات جاءت التشريعات مركزة على ذلك وضامنة لهذه الحقوق ومنظمة لممارستها على النحو المأمول، أما إذا جاء المشرع العادى ضيق الأفق، محدود الرؤية، قاصر النظر، فإن مصير هذه الحقوق والحريات تحتاج إلى منظومة دستورية محددة منعًا للتلاعب بها والذى عانى منه الشعب المصرى على مدار عهوده الماضية.

خلاصة القول أن للمواطن الحق فى صياغة دستوره بما يعبر عن دينه وثقافته وفكره وانتماءه الجغرافى وتاريخه النضالى دون أى تمييز بسبب الجنس أو الأصل أو اللون أو العرق، فالمواطنين سواء لا فرق بينهم.