د. طلعت مرزوق - العفو الشامل - بوابة الفتح الالكترونية
د. طلعت مرزوق
2013-11-29 21:26:00

روى ابن هشام في السيرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة: يا معشر قريشٍ، ما ترون أني فاعلٌ بكم ؟ قالوا: خيرًا، أخٌ كريمٌ وابنُ أخٍ كريمٍ. قال: فإني أقولُ لكم ما قال يوسفُ لإخوتِه: لا تثريبَ عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاءُ.

حق العفو من الحقوق المقررة في جميع دساتير العالم. وقد ورد في الدساتير المصرية منذ 1923 وحتى 2012، بل كان مُقرراً بقانون العقوبات الصادر سنة 1904 بمقتضى المادتين 68، 69. وقد نصت المادة رقم 149 من دستور 2012 على أنه "لرئيس الجمهورية العفو عن العقوبة أو تخفيفها ، ولا يكون العفو الشامل إلا بقانون".
وتختلف الشريعة عن القانون الوضعي من حيث نطاق العفو عن العقوبات [ جرائم الحدود – القِصاص والديات – التعازير ] ومن حيث صاحب الحق فيه [ ولى الأمر - المجنى عليه – الورثة ].

ويُقصد بالعفو عن العقوبة إعفاء المحكوم عليه من تنفيذ العقوبة كلها ، أو جزء منها ، أو تبديلها بعقوبة أخرى مُقررة في القانون أخف من المحكوم بها .
ومن الجدير بالذكر أن الإعفاء من العقاب " موانع العقاب " تختلف عن العفو عن العقوبة ، لأن الإعفاء يكون قبل صدور حكم الإدانة ، أما العفو فلا يكون إلا بعد صدور حكم الإدانة . ولابد أن يكون حكم الإدانة قد أصبح حكماً باتاً ، أي غير قابل للطعن فيه بأي طريق من طرق الطعن العادية أو غير العادية .
أما العفو الشامل فهو العفو عن الجريمة ، وكثيراً ما يُستعمل في الأحوال السياسية ، ويكون أحد عناصر المصالحات الوطنية . ويختلف العفو عن العقوبة مع العفو الشامل في النواحي التالية: العفو عن العقوبة يصدر بقرار من رئيس الجمهورية ، أما العفو الشامل فيصدر بقانون من السلطة التشريعية .
العفو عن العقوبة له صفة شخصية ، فهو قاصر على من يُمنح له ، أما العفو الشامل فله صفة عينية تتعلق بالفعل الإجرامي فيستفيد منه جميع المساهمين .
العفو عن العقوبة لا يسرى إلا بالنسبة للمستقبل ، كما أنه لا يمحو الجريمة ، ولا حكم الإدانة ، بل يبقى الحكم قائماً بما يترتب عليه من عقوبات تبعية وآثار جنائية أخرى مالم ينص قرار العفو على خلاف ذلك . أما العفو الشامل فإنه يُزيل صفة التجريم للفعل ، فيصبح مشروعاً بعد أن كان غير مشروع .

العفو عن العقوبة يهدف إلى إصلاح خطأ قضائي في حكم ، أو للتخفيف من صرامة العقوبة ، أو لتشجيع المحكوم عليه علي سلوك الطريق القويم أثناء فترة تنفيذ العقوبة . أما العفو الشامل فيهدف إلي تهدئة المجتمع بإسدال ستائر النسيان علي جرائم ارتُكِبت في ظروف إجتماعية وسياسية سيئة.

ومن أمثلة العفو الشامل : القانون رقم 59 لسنة 1936 الصادر في 10 / 8 / 1936 بشأن العفو الشامل عن بعض الجرائم التي ارتُكِبت لغرض سياسي في المدة من 15 /6 /1930 إلي 8 / 5 / 1936 . المرسوم بقانون الصادر في 10 / 2 / 1938 . المرسوم بقانون رقم 241 لسنة 1952 . وقد يصدر قانون العفو قبل الحكم البات وعندئذ تنقضى به الدعوى الجنائية فلا يجوز رفعها.

وإذا كانت الدعوى قد رفعت قبل صدوره تثبت المحكمة سقوط الدعوى ولا تقضى بأية عقوبة. وإذا كان قد صدر فى الدعوى حكم فإنه يُمحى بسقوط الدعوى. وقد يصدر العفو بعد انقضاء الدعوى بحكم بات وعندئذ يمحى الحكم، فلا تنفذ العقوبات التى تضمنها ، وإذا كانت قد نفذت يزال أثرها متى أمكن ذلك، فترد الغرامة والأشياء المصادرة إلى من شمله العفو.

وأخيراً : ما أجمل الحكمة القائلة "أن تنير شمعة خير من أن تلعن الظلام" . اللهم إنك عفو تُحبُ العفوَ فاعفُ عنا .