عماد المهدي - إيران وسياسة الطاولة .. حوار ومدفع - بوابة الفتح الالكترونية
عماد المهدي
2015-04-26 01:51:00

تمر المنطقة العربية بمخاض عسير جراء العديد من التفاعلات الدولية والإقليمية التي تنعكس على أوضاعها وشئون دولها، ولعل من أبرز هذه التفاعلات التشابكية بين الدولي والإقليمي ما يعرف بأزمة البرنامج النووي الإيراني أو ما يطلق عليه البعض الماراثون الإيراني الدولي إيران وسياسة الطاولة .. حوار ومدف بشأن برنامجها النووي، والذي شغل الرأي العام العالمي والعربي معًا على مدار الأعوام  الماضية، نظرًا لتداعياته على الأمنين الدولي والإقليمي.


وقد فتح توصل الأطراف الدولية المفاوضة مع الجانب الإيراني إلى اتفاق مبدئي أو بالأدق اتفاق إطاري يمهد للوصول إلى اتفاق نهائي في الثلاثين من يونيو القادم، وترك الباب واسعًا أمام إعادة تموضع الدولة الإيرانية في الشأن الإقليمي خاصة مع تزايد تغلغلها في الشئون الداخلية لدول المنطقة، وهو ما عكسته تصريحات المسئولين الإيرانيين بشأن تواجدها في أربع عواصم عربية بدءًا من لبنان مرورًا بالعراق وسوريا وصولًا اليوم إلى اليمن.


ومن دون الدخول في تفاصيل هذا الاتفاق وتقييمه، فالتوصل إليه يكشف عن جوهر السياسة الإيرانية في كيفية تعاملها مع قضايا المنطقة، حيث يخيل إلى البعض أن طهران تنتهج سياسة يمكن وصفها بـ"سياسة الطاولة" فترفع شعار الحوار فوقها، وتخفى المدفع أسفلها"، وتمارس هذه السياسة إما بذاتها كما هو الحال في تفاوضها مع الخمس الكبار في مفاوضات (5+1) أو عبر وكلائها المنتشرين في بعض دول المنطقة، ففي لبنان يرفع حزب الله "الوكيل الشرعي لإيران" شعار الحوار مع الفرقاء السياسيين إلا أنه فى الحقيقة يمارس على أرض الواقع سياسات تعطل العمل السياسي، فلا يزال -على سبيل المثال- منصب رئيس الدولة شاغرًا، وكذلك الأمر في سوريا فلا تزال المفاوضات تجرى بين النظام المدعوم إيرانيًا وفصائل المعارضة المختلفة سواء في موسكو أو القاهرة، دون أن يكون لجولات التفاوض أي أثر على أرض الواقع التي لا تزال تشهد المزيد من الانتهاكات والاعتداءات على الشعب السوري، والأمر ذاته يتكرر في الحالة العراقية، حيث يُرفع شعار الحوار بين الجميع للحفاظ على وحدة الدولة، إلا أن الواقع العراقي يعانى من تشرذمات متعددة نتيجة سياسات العنف والإقصاء التي تمارسها الجماعات الشيعية هناك، صحيح أن الإرهاب الذي تمارسه بعض التنظيمات التكفيرية على غرار تنظيمي القاعدة و"داعش " يهدد الدولة العراقية، إلا أنه من الصحيح أيضًا أن هذا الإرهاب لا يقل  خطورة عما تمارسه الميليشيات الشيعية واعتداءاتها المستمرة على الشعب العراقي.


وجاءت الأزمة اليمنية بتعقيداتها وتشابكاتها لتلقي الضوء بجلاء على النهج الإيراني في تدخله في شئون دول المنطقة، بصورة تعكس الوجه الحقيقي لملالي طهران في سعيهم لتحقيق حلمهم في إقامة الإمبراطورية الفارسية على غرار ما صرح المستشار السياسي للرئيس الإيراني "علي يونسي"  حيث قال: "إيران اليوم أصبحت إمبراطورية كما كانت عبر التاريخ وعاصمتها بغداد حاليًا"، ففي الوقت الذي تطالب فيه إيران بوقف الحرب والبدء في الحوار بين الأطراف اليمنية بعد النجاح المبدئي لعاصفة الحزم، نجدها تزود الحوثيين بالسلاح والذخيرة بهدف تقوية موقفهم، بما يؤكد على أن الهدف من المطالبة الإيرانية بوقف الحرب هو مجرد تهدئة، كمحاولة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الأوراق ، بعد مباغتة قوات التحالف لحليفها في صنعاء، ويدلل على ذلك خبرة التعامل مع جماعة الحوثى التي انقلبت أكثر من مرة على جولات الحوار ولم تلتزم بمخرجاته، وهو ما يذكرنا بحادثة مشابهة جرت في مملكة البحرين أثناء أزمة 2011، حيث خرجت جمعية الوفاق البحرينية" الوكيل الشرعى لطهران في المملكة" من جلسات الحوار ولم تلتزم أيضًا بمخرجاته، وهو ما يعكس نهج إيران وحلفاءها في التعامل مع قضية الحوار بصفة عامة والحوار الوطنى على وجه الخصوص.


وعليه، فإن مواجهة هذه السياسة التي ترفع شعار الحوار فوق الطاولة وتخفي المدفع أسفلها، تستوجب من قيادة التحالف العربي ضد الانقلاب الحوثى ممثلة في المملكة العربية السعودية ومصر أن تدرك أن التمهل أو الانتظار أو البدء في حوار يدعو إليه الطرف الإيراني وحليفه الحوثي ما هي إلا محاولة لترتيب أوضاعه وإعادة التمركز بما يمكنه من الانقضاض على أية نتائج أو مخرجات لا تحقق مصالحه.


صحيح أن الحرب ما هي إلا سياسة ولكن بأدوات القوة، بما يعنى أن الحرب لن تستمر إلى الأبد وإنما هي مرحلة تعقبها البدء في جلسات الحوار والتفاوض، إلا أنه من الصحيح أيضًا أن الجلوس إلى الحوار بين الفرقاء اليمنيين لا يمكن أن ينجح في ظل التدخل الإيراني المستمر في الشأن اليمنىي من جانب، وفى ظل سيطرة قوات الحوثيين على العاصمة اليمنية صنعاء وسياستهم التوسعية من جانب آخر.


إن نجاح الحوار مرهون بتغيير الأوضاع على الأرض لصالح قوات التحالف العربي، شريطة ألا يُفهم من ذلك أنها دعوة للقيادة المصرية للتورط في الأزمة اليمنية بقدر ما هو دعوة للانتباه نحو الخطر الإيراني الجاثم على أمن المنطقة والمهدد لاستقرارها، وما يستوجبه ذلك من البحث عن أطر وآليات أكثر عملية للتعامل مع السياسة الإيرانية المنتهجة حيال الدول العربية، خاصة وأنها بعد توصلها لاتفاق دولي بشأن برنامجها النووي أضحت أكثر حضورًا وربما قبولًا دوليًا لدور يُرسم لها في النظام الإقليمي ،وبما يهدد أدوار الفواعل الإقليمية الرئيسية في المنطقة وتحديدًا الدورين المصرى والسعودى معًا.