د. ياسر برهامي - تكفير المسلم المُعيَّن والعذر بالجهل 2 - بوابة الفتح الالكترونية
د. ياسر برهامي
2015-04-05 08:20:00

نُقُول عن أهل العلم في العُذْر بالجهل الناشئ عن عدم البلاغ
قال الإمام الشافعي: لله تعالى أسماء وصفات جاء بها كتابه، وأخبر بها نبيه صلى الله عليه وسلم أمته، لا يسع أحدًا من خلق الله قامت عليه الحجة ردها؛ لأن القرآن نزل بها، وصحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم القول بها فيما روى عنه العدول، فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر، أما قبل ثبوت الحجة عليه فمعذور بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يُدرك بالعقل ولا بالرؤية والفكر، ولا يُكفَّر بالجهل بها أحد إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها؛ فنُثبِت هذه الصفات، وننفي عنه التشبيه كما نفى عن نفسه فقال: "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ."وقد قال الإمام الخطابي بعد أن ذكر أن مانعي الزكاة على الحقيقة أهل بغي: "فإن قيل كيف تأوَّلت أمر الطائفة التي منعت الزكاة على الوجه الذي ذكرت، وجعلتهم أهل بغي؟! وهل إذا أنكرت طائفة مِن المسلمين في زماننا فرض الزكاة وامتنعوا عن أدائها يكون حكمهم حكم أهل البغي؟ قلنا: لا؛ فإن مَن أنكر فرض الزكاة في هذه الأزمان كان كافرًا بإجماع المسلمين، والفرق بين هؤلاء وأولئك أنهم إنما عُذِروا لأسباب وأمور لا يحدث مثلها في هذا الزمان، منها قُرب العهد بزمان الشريعة الذي كان يقع فيه تبديل الأحكام بالنسخ، ومنها أن القوم كانوا جُهَّالًا بأمور الدين، وكان عهدهم بالإسلام قريبًا؛ فدخلتهم الشُبهة فعُذِروا.
 
فأمَّا اليوم وقد شاع دين الإسلام واستفاض في المسلمين علم وجوب الزكاة حتَّى عرفها العام والخاص واشترك فيه العالم والجاهل؛ فلا يُعذَر أحد بتأويل يتأوَّله في إنكارها. وكذلك الأمر في كل مَن أنكر شيئًا أجمعت الأمة عليه مِن أمور الدين إذا كان علمه منتشرًا؛ كالصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان، والاغتسال مِن الجنابة، وتحريم الزنا والخمر ونكاح ذوات المحارم، ونحوها مِن الأحكام، إلا أن يكون رجلًا حديث عهد بالإسلام، ولا يعرف حدوده؛ فإنه إذا أنكر شيئًا منها جهلًا به لم يكفر، وكان سبيله سبيل أولئك القوم في بقاء اسم الدين عليه، فأما ما كان الإجماع فيه معلومًا مِن طريق علم الخاصة؛ كتحريم المرأة على عمَّتها وخالتها، وأن القاتل عمدًا لا يرث، وأن للجدَّة السدس، وما أشبه ذلك مِن الأحكام؛ فإن مَن أنكرها لم يكفر، بل يُعذَر فيها؛ لعدم استفاضة علمها في العامة". اهـ.
 
نخلُص مِن هذا الكلام النفيس للإمام الخطابي بعدة فوائد:
 
1- تفاوُت الظخور والخفاء بالنسبة لأحكام الشريعة مِن زمان إلى زمان، ومِن قوم إلى قوم، والعبرة في ذلك بانتشار العلم واستفاضته في العامة.
 
2- الأمور المجمع عليها نوعان؛ أحدهما: ما انتشر علمه في الأمة، وهو الذي لا يُعذَر أحد بتأويل فيه. والآخر: ما لم ينتشر علمه، فيُعذر المخالف في عدم التكفير، لا في استحقاق العقوبة؛ لأن مانعي الزكاة –الموصوف حالهم- عُذِروا في عدم التكفير، وهم مُستَحِقُّون للعقاب في الدنيا والآخرة، وسبب ذلك يرجع إلى تقصيرهم في طلب العلم الواجب عليهم، وعدم رجوعهم إلى العلماء مِن الصحابة، وفعل عمر رضي الله عنه في الرجل الذي زنى جاهلًا حرمة الزنا –ليس فقط جاهلًا بالحد- والرجل الذي زنا بجارية امرأته فجلده ولم يرجمه، يدل على هذا دلالة واضحة.
 
3- الأصل فيما انتشر علمه بين المسلمين تكفير مُنكِره إلا أن تدل القرينة على عدم علمه، وما لم ينتشر علمه لا يُكفَّر قبل قيام الحجة عليه.
 
4- ذكر أهل العلم البادية البعيدة، وحداثة العهد بالإسلام ليس على سبيل الحصر، بل على سبيل المثال، والغرض إثبات القرينة لوجود عدم البلاغ.
 
قال ابن قُدامة في الـمُغني: "لا خلاف بين أهل العلم في كفر مَن تركها –أي: الصلاة- جاحدًا لوجوبها، إذا كان ممن لا يجهل مثله ذلك، فإن كان ممن لا يعرف الوجوب كحديث الإسلام، والناشئ بغير دار الإسلام، أو بادية بعيدة عن الأنصار وأهل العلم، لم يُحكَم بكفره، وعُرف ذلك، وتثبت له أدلة وجوبها، فإن جحدها بعد ذلك كفر، وأما إذا كان الجاحد ناشئًا في الأمصار بين أهل العلم؛ فإنه يكفر بمجرد جحدها". اهـ.
 
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وهذا مع أني دائمًا، ومن جالسني يعلم ذلك أني مِن أعظم الناس نهيًا عن أن يُنسب معين إلى تكفير وتكفير ومعصية، إلا إذا عُلم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي مَن خالفها كان كافرًا تارة وفاسقًا أخرى وعاصيًا أخرى، وأني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وهذا يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية، والمسائل العملية". اهـ.
 
وقال أيضًا: "وليس لأحد أن يُكفِّر أحدًا مِن المسلمين، وإن أخطأ أو غلط حتى تُقام عليه الحجة، وتُبيَّن له المحجة، ومَن ثبت إسلامه بيقين لم يزل عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة". اهـ.
 
وقال أيضًا: "وإذا عُرف هذا فتكفير المـُعيَّن مِن هؤلاء الجُهَّال وأمثالهم بحيث يُحكَم عليه بأنه مِن الكفار لا يجوز الإقدام عليه إلا بعد أن تقوم على أحدهم الحجة الرسالية التي يثبت بها أنهم مخالفون للرسل، وإذا كانت هذه المقالة لاريب أنها كفر". اهـ.
 
وقال أيضًا: ".... فإن هذا فيه مِن تعطيل صفات الخالق وجحد كماله ما هو مِن أعظم الإلحاد، وهو قول الجهمية الذين كَفَّرهم السلف والأئمة تكفيرًا مُطلقًا، وإن كان الواحد المـُعيَّن لا يُكفَّر إلا بعد قيام الحجة التي يكفر تاركها". اهـ.
 
وقال أيضًا: "ومن قال أن لهؤلاء القوم سرًّا خفيًّا وباطن حق، وأنه مِن الحقائق التي لا يطلع عليها إلا خواص خواص الخلق فهو أحد رجلين: إمَّا أن يكون مِن كبار الزنادقة أهل الإلحاد والمحال، وإمَّا أن يكون مِن كبار أهل الجهل والضلال؛ فالزنديق يجب قتله، والجاهل يُعرَّف بحقيقة الأمر، فإن أصرَّ على هذا الاعتقاد الباطل بعد قيام الحجة عليه وجب قتله". اهـ.
 
وقال أيضًا: "ونحن نعلم بالضرورة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُشرِّع لأحد مِن أمته أن يدعو أحدًا مِن الأحياء والأموات ولا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، ولا بلفظ الاستعاذة ولا غيرها، كما أنه لم يُشرِّع لأمته السجود لميت ولا إلى ميت ونحو ذلك، بل نعلم أنه نهى عن ذلك كله، وأنه مِن الشرك الذي حرَّمه الله ورسوله، لكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير مِن المتأخرين لم يُمكِن تكفيرهم بذلك حتى يُبيَّن لهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم". اهـ.