زين العابدين كامل - الالتزام بين الحقيقة والخيال (8) - بوابة الفتح الالكترونية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
ما زلنا نبحث عن مواطن الخلل حول شخصية المسلم الملتزم، وفي ضوء مطالعتنا لبعض الخلل الذي نُريد أن نصلحه في الفرد المسلم الملتزم، نُلاحظ أنه من الآفات أيضًا ترك العمل الدعوي، والجمع بين الشعائر التعبدية والسلوك والأخلاق، ولا أقصد هنا بالعمل الدعوي، الخطابة وإعطاء المحاضرات والتصنيف ونحو ذلك فقط. لا؛ بل الدعوة أشمل وأعم من ذلك.
 
فلسنا مُطالبين بأن نكون جميعًا خطباء على المنابر، وإنما أخص في المقام الأول الدعوة بالسلوك والأخلاق؛ فهناك تناقض واضح ملموس عند بعض الإخوة. وآه من هذه الآفة!!
 
فهذا أخ ملتزم من الظاهر، وتراه يُصلي في المسجد، ثم تعلم أنه يُشاهد المسلسلات والمباريات في بيته، بل وربما أضاع الساعات أمام مواقع الإنترنت في التفاهات.
 
وآخر يُصاحِب أهل السوء ويجلس معهم ويصادقهم، وليس من باب الدعوة، ولكنهم صادفوا هواه، فهذا الأخ على خطر عظيم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تُصاحِب إلا مؤمنًا».
 
وقال عثمان: «ودَّت الزانية لو زنت النساء كلهن، فلماذا تقدم على الخطر، بل ابتعد عن هؤلاء، وصاحب أهل الصلاح والتقوى الذين يُبصِّرونك بحقيقة الأمر، ويعينونك على طاعة الله».
 
وهذا آخر يكذب ويغش أثناء المعاملات مع الناس، وآخر غليظ في تعاملاته مع الآخرين، وغليظ حتى في الدعوة إلى الله، أما تذكر هذا الشاب الذي كان يزني، كيف تعامل معه النبي صلى الله عليه وسلم؟ وكذلك الذي بال في المسجد؟ وثالث أتى يطلب حقه من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسلوب لا يليق أبدًا، كيف تعامل رسول الله مع هؤلاء وغيرهم.
 
بل وهناك إخوة وللأسف لا يعرفون للتبسُّم طريقًا، ولا يُسلِّمون على الناس في طُرقِهم، حتى أخذ الناس فكرة عن الملتزمين أنهم لا يُحِبُّون الناس، ولا يتبسمون أبدًا، وكان ذلك حائلًا بين الإخوة والناس أثناء الدعوة إلى الله. فلا بد لنا أن نغيِّر هذه المفاهيم الخاطئة، وأن نتبسَّم في وجوه الناس، ونخالطهم، ونصبر على أذاهم، وهذه البسمة صدقة لك عند الله تعالى؛ فتبسُّمك في وجه أخيك صدقة كما هو معلوم. ثم انظر إلى الإخوة الحرفيين والصُنَّاع في تعاملاتهم وبعضهم يُخلِف الوعد، وهو يُسيء بذلك إلى الدعوة غاية الإساءة.
 
وبالفعل أصبحت الشعائر التعبُّدِيَّة عند البعض هي كل الالتزام، وضاعت الأخلاق وضاع السلوك في مجتمع الالتزام، ثم تأمَّل صاحب اللحية وهو يصطحب معه زوجته وأولاده إلى شواطئ البحار الممتلئة بالعري والفساد والخلاعة والأغاني وجميع المنكرات، بل وتراه أيضًا ربما يذهب إلى أفراح الأقارب، وهي مليئة بالأغاني والفجور؛ لأنه لا يُريد أن يغضبهم وهو يغضب الله تعالى بذلك، فمن أرضَ الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس. أما سمع هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليشربن ناس من أمتي الخمر يُسمُّونها بغير اسمها، يضرب على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل الله منهم القردة والخنازير».
 
وفي رواية: قيل يا رسول الله: ويشهدون أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، ويصومون؟ قال: «نعم».
 
وهناك من يُسيء إلى جاره، وهناك من يُهمِل ولا يتقِ الله في العمل، وهناك من لا يُصلِّي الفجر في المسجد إلا نادرًا، وغير ذلك من الآفات والأمراض كالغيبة والنميمة وعقوق الوالدين وقطع الأرحام .. نعم هؤلاء أفراد قلائل، ولكنهم كشوكة في ثمرة، هناك خير كثير بلا شك، فالمساجد تمتلئ بالمصلين، ودروس العلم موجودة، والسنة ظاهرة في الشوارع والطرقات، والنقاب تراه في كل طريق، ولكن وسط هذا الثوب الأبيض تلمح نُقَطًا سوداء تُعكِّر هذا البياض الناصع.
 
فلا بد من معالجة هذا الانفصام الخطير بين الشعائر التعبدية وبين السلوك والأخلاق.
 
ونستكمل في المقال القادم بمشيئة الله تعالى.