زين العابدين كامل - الالتزام بين الحقيقة والخيال (6) - بوابة الفتح الالكترونية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد؛
ما زلنا نبحث عن مواطن الخلل حول شخصية المسلم الملتزم، وفى ضوء مطالعتنا لبعض الخلل الذى نريد أن نصلحه فى الفرد المسلم الملتزم، والارتقاء بالمستوى التعبدى والعلمى والسلوكى للمسلم الملتزم، نلاحظ أن من الآفات أيضًا (كثرة أحلام اليقظة بالأشتهار بين الناس)
 
إن كثيرًا من الملتزمين  يحلمون بالشهرة وارتفاع الشأن بين الناس، وأحينا ينظر الأخ إلى نفسه على أن له قدرًا عند الله بما يقوم به من أعمال فينتظر الكرامات، ويستعظم أن ينزل به بلاء. يلازمه الشعور بالأمان  يخاف على الناس أكثر مما يخاف على نفسه.
 
فيظن المسكين أنه محسن، وهم مسيئون، وأنه ناج وهم هالكون، وأنه عالم وهم جاهلون، وأنه عاقل وهم حمقى، وأنه من طلاب الآخرة وهم من طلاب الدنيا.
 
وعندما تتعدد الجزئيات التي تتضخم داخل الإنسان فإن نفسه تتعاظم وتكبر شيئًا فشيئًا، ومِن ثَمَّ يزداد إعجابه بها وتقديسه لها، وينعكس ذلك على تعاملاته مع الآخرين  فتراه يكثر من نصح غيره ونقده، ولا يقبل نصيحة من أحد، يحب أن يخدمه الناس ويكره أن يخدم أحدًا، لا يمل من الحديث عن نفسه، وإنجازاته، وماضيه، ولو كرر ذلك مئات المرات، وفي نفس الوقت تراه يقطع غيره ولا يسمح له بالحديث عن نفسه كما يفعل هو.
 
لا يعطي الآخرين حقوقهم من التقدير، ويضيق صدره إذا ما أثنى على أحد غيره .. يفرح بسماع عيوب الناس وبخاصة إذا ما كانوا أقرانه.
 
ما أحوجنا إلى التأمل فى قصة صاحب الجنتين، أنظر إلى صاحب الجنتين: الذي أعجب بما لديه من أموال وجنات، واغتر بها ولم يقبل نصح صاحبه، بل كبرت عنده نفسه حتى ظن أن سيكون له عند الله مكانة في الآخرة خير مما هو عليه في الدنيا {وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا} [الكهف: 36]. وهنا تظهر خطورة الإعجاب بالنفس،إن الإعجاب بالنفس له أثار سلبية، ومخاطر عظيمة ، ويكفى في بيان خطورته أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أعده من المهلكات .. قال (صلى الله عليه وسلم):  "فأما المهلكات: فشح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه" حديث حسن.
  يقول النووي: أعلم أن الإخلاص قد يعرض له آفة العُجب، فمن أعجب بعمله حبط عمله، وكذلك من استكبر حبط عمله (شرح الأربعين للنووية.)
قال الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} [البقرة: 264].
فإن قلت: ولماذا يحبط العُجب العمل الصالح؟!
كان الجواب: لأن الله (عز وجل) لا يقبل إلا ما كان خالصًا لوجهه،  والمُعجب يستعين بنفسه أكثر مما يستعين بالله، لذلك قال ابن تيمية: المُعجب بنفسه لا يحقق إياك نستعين، كما أن المرائي لا يحقق إياك نعبد.
 
فالعُجب يحبط العمل الصالح الذي قارنه لأنه ينافي الإخلاص لله (عز وجل)، وكان المسيح (عليه السلام) يقول: يا معشر الحواريين كم من سراج قد أطفأته الريح، وكم من عابد قد أفسده العُجب (منهاج العابدين لأبي حامد الغزالي).
 
أصل الإنسان هو التراب الذي يمشي عليه، والذي لا يساوي  في نظره  شيئًا مذكورًا، أما بداية خلقه فمن نطفة، لو نظر إليها الإنسان لتقزز منها { قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ} [عبس: 17 - 20].
 
فأجسادنا لم تخلق وتتكون من معادن نفيسه، {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ} [الطارق: 5].
حكى أن مطرف بن عبد الله بن الشخير نظر إلى الملهب بى أبي صفرة، وعليه حلة، يسحبها، ويمشي الخيلاء. فقال: يا أبا عبد الله، ما هذه المشية التي يبغضها الله ورسوله؟ قال الملهب: ألا تعرفني؟ فقال: بل أعرفك؛ أولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وحشوك فيما بين ذلك بول وعذرة فكيف يعجب بنفسه من حاله كذلك؟!
 
إذن فدوام تذكر الواحد منا لأصله من شأنه أن يبعد عنه العُجب والخيلاء.
عن أنس قال: كان أبو بكر يخطبنا فيذكر بدء خلق الإنسان حتى إن أحدنا ليقذر نفسه، ويقول: خرج من مجرى البول مرتين (التواضع والخمول لابن أبي الدنيا)
من هنا كان الصحابة يحبون السجود على التراب، وتعفير الوجه به، ليتذكروا أصلهم ويبعدوا الكبر عن أنفسهم.
قال الحسن: من خصف نعله، ورقع ثوبه، وعفر وجهه لله (عز وجل)، فقد برئ من الكبر.
يقول ابن القيم: ومقت النفس في ذات الله من صفات الصديقين، ويدنوا العبد به من الله (سبحانه وتعالى) في لحظة واحدة أضعاف ما يدنو به من العمل .( إغاثة اللهفان)
 
كان أبو بكر الصديق يقول: لو يعلم الناس ما أنا فيه لأهالوا عليَّ التراب. ومشى قوم خلف عبد الله بن مسعود فقال لهم: ارجعوا فإنها ذلة للتابع، وفتنة للمتبوع، وقال: لو تعلمون ما أعلم من نفسي حثيتم على رأسي التراب.
 
وهذا المَرُّوذي تلميذ الإمام أحمد بن حنبل يقول: ذٌكر أمام ابن حنبل أخلاق الورعين فقال: أسأل الله (عز وجل) أن لا يمقتنا، أين نحن من هؤلاء؟!
 
وكان رجل من بني إسرائيل له عند الله حاجة، فتعبد واجتهد ثم طلب من الله حاجته، فلم ير نجاحًا، فبات مزريًا على نفسه، وقال: يا نفس، مالك لا تٌقضي حاجتك، فبات محزونًا قد أزرى على نفسه. وقال: أما والله ما مِن قِبل الله أوتيت، ولكن من قبل نفسي أوتيت، فبات ليلة مزريًا على نفسه وألزم الملامة، فقضيت حاجته (الزهد للإمام أحمد )
 وراجع كتاب "حطم صنمك لمجدى الهلالى فقد استفدت منه كثيرا " ونستكمل فى المقال القادم بإذن الله تعالى.