م. عبد المنعم الشحات - صدق النية يدفع اليأس ويحدو الأمل - بوابة الفتح الالكترونية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فمن أهم الأمور التي ينبغي أن يراجعها الانسان من نفسه دوما أمر النية، وذلك لتوقف قبول العمل عليها كما جاء في حديث عمر بن الخطاب رضى الله عنه: "انما الاعمال بالنيات وانما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته الى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته الى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه".
 
ولكننا نريد في هذه العجالة أن نلقى الضوء على فائدة أخرى للإخلاص في غاية الأهمية وهي أن الذى يخلص عمله لله تبارك وتعالى فإنه ينجو من آفات عظيمة من أشدها الاستعجال واليأس.
قال تعالى: " بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ"
 
ومن الآفات التي تعترى العبد في سعيه إلى الله تبارك وتعالى أن تتحول الوسائل عنده إلى غايات، وأن تنسيه الغايات المرحلية الغاية الأصلية، ومن ثم فإنه مما يجب أن يتذكره العبد دائما أن غايته الكبرى هي رضى الله والجنة، وأن مخوفه الأعظم سخط الله والنار، وأن من أراد هذه الإرادة وطلب هذه الغاية فعليه أن يسلم وجهه لله عز وجل ويتبع رسوله صلى الله عليه وسلم "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله"
 
و من أخص مواطن الاتباع اتباع النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الدعوة الى الله "قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين"
 
فالدعوة إلى الله أحد أهم الغايات الوسيطة التي توصل إلى رضى الله والجنة، وهي من أكثر الأبواب حاجة إلى الاخلاص.
 
والدعوة إلى الله تكون بالحجة والبيان كما تكون بالسيف والسنان في موضعه وبشروطه المعروفة، لا كما تفعله جماعات الخارجية كداعش وغيرها، وليس السياق في رد باطلها وإنما نريد أن نؤكد على أن هذه المجالات كغايات مرحلية يجب ألا تنسى الغاية العظمى وهي رضى الله والجنة، ولذلك كان من فروع هذا أن القرون الفاضلة وهم في جهادهم يستصحبون قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم".
 
ولذلك قدر الله الهزيمة في المعركة أحيانا، وقدر إعراض البعض عن دعوة الحق رغم جلائها لتبقى نية الداعية خالصة صادقة لله عز وجل.
 
و لما قدر الله ما قدر في غزوة أحد أنزل يبين الحكمة من ذلك في قوله " وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ"
 
وقدر الله عدم هداية أبى طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم مع نصرته للنبي صلى الله عليه وسلم ومع حرص النبي أشد الحرص على إيمانه وفيه وفي أمثاله  يقول تعالى " إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ"
 
وبهذا الأمر يمكن علاج داء الاستعجال والذى غضب النبي صلى الله عليه وسلم عندما رأى بادرته كما في حديث خباب رضى الله عنه قال "أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة في ظل الكعبة فشكونا إليه فقلنا ألا تستنصر لنا ألا تدعو الله لنا فجلس محمرا وجهه فقال قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض ثم يؤتى بالمنشار فيجعل على رأسه فيجعل فرقتين ما يصرفه ذلك عن دينه ويمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب ما يصرفه ذلك عن دينه والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب ما بين صنعاء وحضرموت ما يخاف إلا الله تعالى والذئب على غنمه ولكنكم تعجلون"
 
كما أن هذا الاخلاص وبقاء الغاية العظمى ماثلة في الذهن يقضى على داء اليأس فإن تلك الغاية العظمى لا يدركها اليأس أبدا ولا ينقطع الأمل بها قط ولعله يدخل في هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم "إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها". ولا يكون هذا إلا لمن ينتظر ثوابها عند الله لاستحالة ادراك نفعها في الدنيا وسواء حمل الحديث على القيامة أو على أماراتها أو على قيامة العبد الصغرى مما يعنى أنه يؤمل تركها لمن بعده فإن هذا لا يتم إلا لمن يرجو بنفع من بعده الثواب عند الله عز وجل.
 
ومما يدخل في هذا قصة قاتل المائة والذى نأى بصدره خطوة في آخر حياته لا تنفع شيئا في الظاهر وقدر الله تعالى أن يجعلها هي سبب نجاته لما فيه من سلامة النية وصدق العزم والتعلق بكل ما يرضى الله عز وجل
 
وقد يدخل في هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير لإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له"
 
و الشاهد منه أنه في كل قدر يقده الله يجد طاعة تقربه إلى الله وهو مما يجعل السراء نعمة حقيقية في الدنيا والآخرة ومما يقلب الضراء التي صبر لها نعمة أخروية
 
و الخلاصة
لا تنس أنت تخطط لأهداف وسيطة للهدف الأسمى ولن تعدم مع كل أمر قدري أو فعل من صديق أو عدو أن تجعل منه وسيلة تقربك إلى هدفك ولو بزحفة من شخص يحتضر.
 
و من ثم فالجميع مدعو إلى أن يقدم ما يمن الله عليه من حلول واقتراحات يمكن بها توظيف كل الأحداث في طريق "قل هذه سبيلي أدعو إلى الله" وهي الطريق المؤدية بفضل الله ورحمته إلى رضا الله والجنة.