زين العابدين كامل - فقه مرحلة الاستضعاف - بوابة الفتح الالكترونية

فسنة التدافع بين الحق والباطل كانت ظاهرة جلية فى طريق الأنبياء إلى الله تعالى ويظهر ذلك فى قصة موسى عليه السلام مع فرعون وفى قصة نوح عليه السلام مع قومه وفى قصة محمد عليه الصلاة و السلام مع قومه أيضا وهكذا مع جميع الأنبياء والمرسلين والاستضعاف منه ما هو دينى  كمنع العبادات والدعوة والتوحيد أودنيوي كمنع الأموال والحقوق وكان استضعاف بني إسرائيل في مصر جامعا بين الاستضعاف الديني والدنيوي يمنعون من التوحيد وتستحيا نساؤهم ويذبح أبناؤهم وقد كان ذلك ظاهرا أيضا  في العهد المكي فقد كان المسلمون مستضعفين يمنعون من الإسلام والدعوة إليه وتسلب منهم أموالهم ويحاصرون اقتصاديا أيضا.

ومن سمات الطغاة فى هذه المرحلة ما رسمته قصة موسى عليه السلام مع فرعون؛ لقد رسمت قصة فرعون مع نبي الله موسى وبني إسرائيل صورة واقعية كاملة الوضوح لسمات الطغاة والفراعين في كل عصر وحين.. وأبرز هذه السمات:

أولا- الطغاة لا يعرفون ولاءً إلا للكرسي:
وكل ما وراء ذلك فلا قيمة له، فهو حياتهم وهدفهم، وكل ما يفعلونه إنما هو في الحقيقة يدور في فلك الحفاظ عليه.. وكل من أعان على البقاء فهو الحبيب القريب، فالحفاظ على الكرسي هو الهدف، وكل شيء يهدد هذا فلا بد من إزالته وقطع دابره حتى لو قتلنا نصف الشعب لا والله بل الشعب كله.لقد رأى فرعون رؤيا أولّت له على أن نهاية ملكه على يد رجل من بني إسرائيل، رجل يهدد عرشه وكرسيه ؟! فأمر مباشرة بقتل كل ذكر يولد في بني إسرائيل، يبيد شعبا كاملا من أجل بقاء الكرسى.. نعم (قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ).  

ثانيا- الطغاة مفسدون يعيشون وهم الإصلاح:
كما قال - تعالى -:(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12)). وعندما قام الناصحون بالتذكير ومحاولة النصح قال فرعون: (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ).

ثالثا- الطغاة يستخفون بالمخالفين:
وهذا إنما يأتي من الكبر والغرور.. فطول فترة الملك، وامتداد فترة الإمهال، ورؤية نفاذ الأمر والنهي، والشعور بالقدرة على قهر الشعب، تجعلهم يعتقدون أنهم لا يغلبون ولا يقهرون، فيتعاملون مع كل مخالف بكل ازدراء، فالمعارضون مهما بلغ عددهم أو قدرهم "فئة مندسة"، مجموعة إرهابية، "وشرذمة خارجة عن القانون"، واسمع قول فرعون: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "خَرَجَ فِرْعَوْنُ فِي أَلْفِ أَلْفِ حِصَانٍ سِوَى الْإِنَاثِ، وَخَرَجَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي سِتِّمِائَةِ أَلْفٍ"، ومع ذلك قال فرعون {إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ} [الشعراء: 54-56].

 
*لا تمكين بدون عمل وجهاد وتخلص من آثار مرحلة الاستضعاف:
حين خرج بنو إسرائيل من زمن الاستضعاف ومكانه وانتقلوا لأول مرحلة من مراحل التمكين وضع لهم موسى مشروع العمل فقال لهم ادخلوا الأرض المقدسة وضع لهم موسى مشروع الجهاد لإسقاط الجبارين في بيت المقدس فجبنوا ولم يتخلصوا من آثار مرحلة الاستضعاف فضربوا بالتيه 40سنة
جبن بنو إسرائيل عن الجهاد وأرادوا نصرا بلا تضحيات (اذهب أنت وربك فقاتلا)، قَالَ سعد بن أبى وقاص: رَأَيْت أَخِي عُمَيْرَ بْنَ أَبِي وَقّاصٍ قَبْلَ أَنْ يَعْرِضَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَارَى، فَقُلْت: مَا لَك يَا أَخِي؟ قَالَ: إنّي أَخَافُ أَنْ يَرَانِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَسْتَصْغِرَنِي فَيَرُدّنِي، وَأَنَا أُحِبّ الْخُرُوجَ، لَعَل اللهَ يَرْزُقُنِي الشّهَادَةَ. قَالَ: فَعُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَصْغَرَهُ، فَقَالَ: ارْجِعْ! فَبَكَى عُمَيْرٌ، فَأَجَازَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ: فَكَانَ سَعْدٌ يَقُولُ: كُنْت أَعْقِدُ لَهُ حَمَائِلَ سَيْفِهِ مِنْ صِغَرِهِ، فَقُتِلَ بِبَدْرٍ وَهُوَ ابْنُ سِتّ عَشْرَةَ سنة.
 
*فقه التعامل مع الطغاة فى هذة المرحلة:
في صلح الحديبية قال سهيل، وعلى أنه لا يأتيك منا رجل إن كان على دينك إلا رددته إلينا، فقال المسلمون: سبحان الله، وكيف يُرد إلى المشركين وقد جاء مسلما؟ فبينما هم كذلك إذا جَاءَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ فِي قُيُودِهِ قَدِ انْفَلَتَ وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ، حَتَّى رَمَى بِنَفْسِهِ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ سُهَيْلٌ: هَذَا يا محمد أول ما أُقَاضِيكَ عَلَيْهِ أَنْ تَرُدَّهُ إِلَيَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: إِنَّا لَمْ نَقْضِ الْكِتَابَ بَعْدُ، قال فو الله إذا لَا أُصَالِحُكَ عَلَى شَيْءٍ أَبَدًا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: فأجزه لي، فقال: فما أنا بمجيزه لَكَ، قَالَ: بَلَى فَافْعَلْ، قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ، ثُمَّ جَعَلَ سهل يَجُرُّهُ لِيَرُدَّهُ إِلَى قُرَيْشٍ، قَالَ أَبُو جَنْدَلٍ: أَيْ مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أرد إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جِئْتُ مُسْلِمًا ألا ترون ما قد لَقِيتُ؟ وَكَانَ قَدْ عُذِّبَ عَذَابًا شَدِيدًا فِي اللَّهِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَا أَبَا جَنْدَلٍ احْتَسِبْ فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ لَكَ وَلِمَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا، إِنَّا قَدْ عَقَدْنَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ عَقْدًا وَصُلْحًا وَإِنَّا لَا نَغْدِرُ»
وهنا اعترض عمر وكثير من الصحابة ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَهُوَ مُسْلِمٌ، فَأَرْسَلَ فِي طَلَبِهِ رَجُلَانِ، فَقَالَا: الْعَهْدُ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا، فَدَفَعَهُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ، فَخَرَجَا بِهِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَنَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَى سَيْفَكَ هَذَا يَا فُلَانُ جَيِّدًا، فَاسْتَلَّهُ الْآخَرُ فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَجَيِّدٌ، لَقَدْ جَرَّبْتُ بِهِ وَجَرَّبْتُ؛ فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْهِ، فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ، فَضَرَبَهُ بِهِ حَتَّى بَرَدَ وَفَرَّ الْآخَرُ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ يَعْدُو، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رَأَى هَذَا ذُعْرًا» ، فَقَالَ: وَاللَّهِ قُتِلَ صَاحِبِي، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَمَقْتُولٌ، فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ فَقَالَ: قَدْ وَاللَّهِ أَوْفَى اللَّهُ ذِمَّتَكَ وَرَدَدْتَنِي إِلَيْهِمْ، ثُمَّ أَغَاثَنِي اللَّهُ مِنْهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرُ حَرْبٍ لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ»
فَلَمَّا سَمِعَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ؛ قَالَ: فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى سِيفَ الْبَحْرِ، وَتَفَلَّتَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، فَلَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ فَجَعَلَ لَا يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ قَدْ أَسْلَمَ إِلَّا لَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ، حَتَّى اجْتَمَعَ إِلَيْهِ قَرِيبٌ مِنْ سَبْعِينَ رَجُلًا ، فَوَاللَّهِ مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيْشٍ إِلَى الشَّأْمِ إِلَّا اعْتَرَضُوا لَهُمْ فَقَتَلُوهُمْ، وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنَاشِدُونَهُ اللَّهَ وَالرَّحِمَ لَمَا أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ، فَمَنْ أَتَاهُ فَهُوَ آمِنٌ فَأَنْزَلَ اللَّهُ {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ} [الفتح: 24].

(هَمَّ الرَّسُولُ بِعَقْدِ الصُّلْحِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَطَفَانَ ثُمَّ عَدَلَ):
تحالفت قبائل العرب مع قبائل غطفان واليهود وتجمع عشرة ألاف حول المدينة وهنا نقضت بنو قريظة العهد الذى كان بينها وبين رسول الله حول الدفاع المشترك عن المدينة وتحالفوا مع الأحزاب  تأمل وصف الموقف: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الأحزاب:10، 11]. فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَى النَّاسِ الْبَلَاءُ، بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ، إلَى عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنِ ، وَإِلَى الْحَارِثِ بْنِ عَوْفِ ، وَهُمَا قَائِدَا غَطَفَانَ، فَاتفق معهما على إعطائهما  ثُلُثَ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ لسنة كاملة عَلَى أَنْ يَرْجِعَا بِمَنْ مَعَهُمَا عَنْهُ وَعَنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَفْعَلَ، بَعَثَ إلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ سيد الأوس وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ،سيد الخزرج  فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُمَا، وَاسْتَشَارَهُمَا فِيهِ، فَقَالَا لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمْرًا تحِبُّهُ فَنَصْنَعُهُ،  أم أَمْرًا أَمَرَكَ اللَّهُ بِهِ، لَا بُدَّ لَنَا مِنْ الْعَمَلِ بِهِ، أَمْ شَيْئًا تَصْنَعُهُ لَنَا؟ قَالَ: بَلْ شَيْءٌ أَصْنَعُهُ لَكُمْ، وَاَللَّهِ مَا أَصْنَعُ ذَلِكَ إلَّا لِأَنَّنِي رَأَيْتُ الْعَرَبَ قَدْ رَمَتْكُمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، وَكَالَبُوكُمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَكْسِرَ عَنْكُمْ مِنْ شَوْكَتِهِمْ إلَى أَمْرٍ مَا، فَقَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ كُنَّا نَحْنُ وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ عَلَى الشِّرْكِ باللَّه وَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، لَا نَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا نَعْرِفُهُ، وَهُمْ لَا يَطْمَعُونَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهَا تَمْرَةً إلَّا قِرًى (هبة أو ما يقدم للضيف) أَوْ بَيْعًا، أَفَحِينَ أَكْرَمْنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ وَهَدَانَا لَهُ وَأَعَزَّنَا بِكَ وَبِهِ، نُعْطِيهِمْ أَمْوَالَنَا! (وَاَللَّهِ) مَا لَنَا بِهَذَا مِنْ حَاجَةٍ، وَاَللَّهِ لَا نُعْطِيهِمْ إلَّا السَّيْفَ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَأَنْتَ وَذَاكَ. فَتَنَاوَلَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الصَّحِيفَةَ، فَمَحَا مَا فِيهَا مِنْ الْكِتَابِ، ثُمَّ قَالَ: لِيَجْهَدُوا عَلَيْنَا.

وهكذا نتعلم من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف نتعامل فى مرحلة الاستضعاف، والله المستعان.