محمد القاضي - فقه المنبطحين!! - بوابة الفتح الالكترونية
محمد القاضي
2015-02-08 10:34:00

دائما تحدثوننا عن القدرة و العجز، وعن المصالح والمفاسد كلما حدثناكم عن التغيير ومواجهة الباطل ومحاربة الظلم والطغيان؛ غرضكم فى ذلك السلامة لأنفسكم من الموت أو القتل، ولا نملك إلا أن نقول لكم كما قال الله فى المنافقين يوم أحد: (الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسكُمْ الْمَوْت إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (آل عمران: 168) لن ينفعكم القعود مهما طالت المدة، فالنصر لا ينزل على الجبناء الذين امتلئوا خوفا من غير الله!!!

نقول لكل من يقول هذا الكلام من داعش وأمثالها وأضرابها، وكل التنظيمات التى تتبنى هذا الفكر فى كل البلاد العربية والإسلامية: هذه دعوى مردود عليها من وجوه: 
الأول: من منكم يتهكم بفقه المصالح والمفاسد فإنه فى الحقيقة يتهكم ويستهزئ بالقرآن الذى دل على هذه المسائل فى مثل قول الله تعالى في شأن القتال في الأشهر الحرم مبينًا أن القتال فيها أقل مفسدة من الصد عن سبيل الله: (يسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).
فقد أنكر الكفار على المسلمين استباحة الأشهر الحرم والقتال فيها, فرد الله عليهم قائلًا: نعم، القتال فيها كبير الإثم والجرم, ولكن الاعتداء على المسلمين والإسلام بالصد عن سبيل الله وقتل المسلمين وفتنتهم في دينهم وإخراجهم من ديارهم, كل هذا وغيره أعظم مفسدة وأكبر جرمًا عند الله من انتهاك حرمة الأشهر الحرم بالقتال فيها, وإذا كان كذلك فإن القتال فيها ضروري وواجب لدرء هذه المفاسد الكبيرة.
- وقال سبحانه حكاية عن الخضر مع موسى عليهما السلام: (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ...), إلى قوله: (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرا).
فدفع مفسدة غصب الملك السفن بمفسدة أخف "وهي خرق السفينة", واحتمال مفسدة قتل الولد ليدفع مفسدة "إرهاق والديه طغيانًا وكفرًا" التي هي أعظم وأشد من قتله.


ومن قال عن هذه الموازنة: "إنها موازنة المنبطحين"، فهو يتكلم عن الرسول صلى الله عليه وسلم الذى وازن بين المصالح والمفاسد وعلم الأمة ذلك، فقدم دفع المضرة على تحصيل المصلحة قال النبي صلى الله عليه وسلم لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (يا عائشة، لولا قومك حديث عهدهم – قال ابن الزبير بكفر- لنقضت الكعبة, فجعلت لها بابين باب يدخل الناس وباب يخرجون).
قال ابن القيم رحمه الله: (لما فتح الله مكة وصارت دار إسلام, عزم على تغيير البيت, ورده على قواعد إبراهيم, ومنعه من ذلك – مع قدرته عليه- خشية وقوع ما هو أعظم منه مع عدم احتمال قريش لذلك لقرب عهدهم بالإسلام, وكونهم حديثي عهد بكفر).
كما امتنع صلى الله عليه وسلم عن قتل المنافقين, فقد ابتلي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في المدينة بالمنافقين, ورغم أن كيدهم ومكرهم كان يفوق كيد ومكر الكفار فقد امتنع صلى الله عليه وسلم عن قتلهم لكي لا يقال: إن محمدًا يقتل أصحابه, ولأن قتلهم ذريعة إلى النفور من الإسلام, فهذه المفاسد أكبر من مصلحة قتلهم.
 
وباستقراء مثل هذه الأحكام فهم الفقهاء أن مقصود الشارع عند تزاحم المصالح مع المفاسد, إنما يتحقق بمراعاة الجانب الأغلب.
قال ابن تيمية رحمه الله: (القاعدة العامة فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات أو تزاحمت, فإنه يجب ترجيح الراجح منها... فإن الأمر والنهي وإن كان متضمنا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فينظر في المعارض له, فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأمورًا به بل يكون محرمًا إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته).


الثاني: القدرة والعجز أصل تبنى عليه الكثير من الأحكام فى الشريعة الإسلامية؛ فهو معتبر فى الجهاد و الأمربالمعروف والنهى عن المنكر والدعوة إلى الله، كما صرح بذلك علماء الأمة قديما وحديثا، قال الله تعالى:  (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [البقرة: 286]، (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا) [الطلاق: 7]، (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ – أي: كافيك وناصرك ومؤيدك أنت- وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [الأنفال: 64]، (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا - كل واحد من المؤمنين بعشرة من الكافرين- بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (65) (ثم نُسخ هذا الأمر وبقيت البشارة) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ - فلا ينبغي لمائة أن يفروا من مائتين- وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ - فلا ينبغي لألفٍ أن يفروا من ألفين، وإن كانوا دون ذلك لم يجب عليهم قتالهم، وجاز لهم أن يتحوزوا عنهم- وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال: 65، 66).

الثالث: أنتم تزعمون أن من يلتزم فقه المصالح والمفاسد والقدرة والعجز يعد من المنبطحين رغم التزامهم الشرع فى كل أحوالهم عند العجز وعند القدرة، بينما سلوككم كسلوك أهل البدع إذا تمكنتم من أهل السنة تستحلون دماءهم وتنتهكون أعراضهم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
(كثيرا ما يكون أهل البدع مع القدرة يشبهون الكفار في استحلال قتل المؤمنين وتكفيرهم كما يفعله الخوارج والرافضة والمعتزلة والجهمية وفروعهم، ... ومنهم من يسعى في قتل المقدور عليه من مخالفيه؛ إما بسلطانه، وإما بحيلته، ومع العجز يشبهون المنافقين يستعملون التقية والنفاق كحال المنافقين؛ وذلك لأن البدع مشتقة من الكفر؛ فإن المشركين وأهل الكتاب هم مع القدرة يحاربون المؤمنين ومع العجز ينافقونهم.
والمؤمن مشروع له مع القدرة أن يقيم دين الله بحسب الإمكان بالمحاربة وغيرها، ومع العجز يمسك عما عجز عنه من الانتصار، ويصبر على ما يصيبه من البلاء من غير منافقة، بل يشرع له من المداراة ومن التكلم بما يكره عليه ما جعل الله له فرجا ومخرجا .

ولهذا كان أهل السنة مع أهل البدعة بالعكس، إذا قدروا عليهم لا يعتدون عليهم بالتكفير والقتل وغير ذلك، بل يستعملون معهم العدل الذي أمر الله به ورسوله، كما فعل عمر بن عبد العزيز بالحرورية والقدرية، وإذا جاهدوهم فكما جاهد علي رضي الله عنه الحرورية بعد الإعذار وإقامة الحجة، وعامة ما كانوا يستعملون معهم الهجران والمنع من الأمور التي تظهر بسببها بدعتهم، مثل ترك مخاطبتهم ومجالستهم؛ لأن هذا هو الطريق إلى خمود بدعتهم، وإذا عجزوا عنهم لم ينافقوهم بل يصبرون على الحق الذي بعث الله به نبيه كما كان سلف المؤمنين يفعلون، وكما أمرهم الله في كتابه حيث أمرهم بالصبر على الحق، وأمرهم أن لا يحملهم شنآن قوم على أن لا يعدلوا.
الرابع: من قال إن مواجهة الباطل ومحاربة الظلم والطغيان لا تكون إلا بالتكفير والتفجير وبتتبع طُرق الإنكار على الظلمة عبر التاريخ، فستجد طريقتين: طريقة سلفية نهجها الصحابة ومن بعدهم من الأئمة. وطريقة المبتدعة الخوارج وليس من شرط العالم الصادق أن ينكر كل منكر؛ فإن هذا أمر لا يطيقه أحد إلا أصحاب المعرفات الوهمية التويترية، وإنما كل مسلم ينكر ما يستطيع، "ولم أجد أحدًا في تاريخ المسلمين استطاع أن ينكر كل منكر في زمانه"، وإنما العبرة في عدم تسويغ ذلك المنكر وشرعنته، ثم إنكار ما يمكن إنكاره، لكنكم تريدون نوعًا خاصًا من الإنكار يتوافق مع منهجكم المنحرف.

خامسا: فالدعوة فى سبيل الله والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بالضوابط الشرعية جهاد شرعى وتغير للمنكر بلا منكر وأمر بالمعروف بالمعروف، وهذا فعل العلماء الصادقين والمصلحيين الحقيقيين عبر التاريخ.
 
سادسا: نصر الله يتنزل على أهل السنة والجماعة الذين يعظمون حرمات الله ويلتزمون أمره جل وعلا، قال صلى الله عليه وسلم: (... ثم تكون فيكم خلافة على مناهج النبوة، ثم سكت صلى الله عليه و سلم) يعنى فى آخر الزمان.