عصام حسنين - إن علينا للهدى - بوابة الفتح الالكترونية
عصام حسنين
2013-10-31 13:35:00

هذه الآية من سورة الليل هي خير لنا من الدنيا وما فيها، إذ بين فيها الله تعالى أن الهدى بمعنى الهداية والإضلال له وحده، سبحانه، كما قال تعالي: "إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ"وقال: " مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ"، وإذا كان الله، تعالى، مالك  القلوب وموفقها للإيمان والعمل بما يحبه ويرضاه، فعلي العبد أن يلزم: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي علي دينك".

ومن السلف من فسر الهدي بمعني: بيان الأحكام علي الله! قال قتادة، رحمه الله: "علي الله البيان: بيان حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته".

كما قال، سبحانه: "وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ".

قال ابن مسعود، رضي الله عنه: "قد بين لنا في هذا القرآن كل علم وكل شئ"، وقال مجاهد: "كل حلال وحرام"، قال ابن كثير: "وقول ابن مسعود أعم وأشمل؛ فإن القرآن اشتمل علي كل علم نافع من خبر ما سبق وعلم ما سيأتي وكل حلال وحرام وما الناس إليه محتاجون في أمر دنياهم ودينهم ومعاشهم ومعادهم" التفسير3/600وقال تعالي في خاتمة سورة النساء بعد أن بين الأحكام الكاملة العادلة:"يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ".

قال السعدي، رحمه الله: "أي:يبين لكم أحكامه التي تحتاجونها، ويوضحها ويشرحها لكم، فضلا منه وإحسانًا لكي تهتدوا ببيانه، وتعملوا بأحكامه، ولئلا تضلوا عن الصراط المستقيم بسبب جهلكم وعدم علمكم.

"والله بكل شئ عليم"، أي: عالم بالغيب والشهادة والأمور الماضية والمستقبلة ويعلم حاجتكم إلي بيانه وتعليمه، فيعلمكم من علمه الذي ينفعكم علي الدوام في جميع الأزمنة والأمكنة. التفسير 218

- وهذا ما يجب اعتقاده علي كل مسلم! يعتقد أن حق بيان الأحكام من الحلال والحرام هو لله وحده لا شريك له، لهذه الآية ولقوله تعالي: "إن الحكم إلا لله" و "له الحكم وإليه ترجعون" ، "ألا له الخلق والأمر".

- ويجب اعتقاد أن حكمه أحسن الأحكام وأعدلها وأكملها، قال الله، تعالي، مادحاً حكمه: "ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون" والجواب: لا أحد!.

- والسؤال هنا لمن ينظرون بعين الإجلال لـ"روسو" و"فولتير" و"هوبز" و"ماركس": أبيان الله تعالي للمشروع والممنوع مما يتعلق بالدماء والأموال والأعراض خير أم بيان هؤلاء؟

- فقول المسلم: بيان الله! ولازم ذلك التحاكم إلي كتابه وإلي سنة رسوله، صلي الله عليه وسلم، واعتقاد أن الحلال ما أحله الله، وأن الحرام ما حرمه الله!

- وأما أي قول غير ذلك فليس بقول المسلمين لأنه اتهام لله بالنقص أو أن هناك من خلقه من يشابهه، تعالي الله عن قولهم علواً كبيراً! "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير" لا شبيه له في حكمه وعلمه وأسمائه وصفاته وأفعاله سبحانه..سبحانه!.

- والمسلم حقاً هو من لا يضع العراقيل في طريق التحاكم لله ولرسوله، وإنما قوله سمعنا وأطعنا كما قال، سبحانه: "وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا" و " وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ" و"إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ".

- والمسلم الحق إن كان يجهل شيئاً من دين الله أو ضرته شبهة سأل أهل العلم كما أمره الله:"فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون"، لا أن يضاد أمر الله بهواه أو يفتي بغير علم أو يترك نفسه دون سؤال فتأكله الشبهة!.

- والمسلم الحق من يحب الله ويحب دينه ويحب أن يسود، ويحبب الناس في الله وفي دينه، ويحبب الله إلي الناس ببره وإحسانه إليهم!

- والمسلم الحق من يسعي في الأرض لإقامة الدين لله لا لغيره كما قال، تعالي:"شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ...".

- والمسلم الحق لا يستمع لأقوال الضالين، الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون كما قال، تعالي، عن صالح، عليه السلام، وهو يدعو قومه: " وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ "، ممن يقول عن شريعة الله: شريعة غاب! أو تطبيقها عودة إلي القرون المظلمة! أو لا تنفعنا في هذا الزمان! بل يوقن أن الزمان والمكان لا يصلحان إلا بما شرعه لعباده من أحكام عادلة سهلة يسيرة يصلح بها البلاد والعباد!

- والمسلم الحق هو من يرفع بدينه رأساً ملتزماً به، معتزاً فخوراً، ولا يخشي في سبيل بيان ذلك لومة لائم كما رفع مندوب السعودية في الأمم المتحدة القرآن وقال: "هذا دستورنا"!، الله أكبر والعزة لله!.فيا حكام المسلمين في كل مكان، ويا كل مسئول في مكانه: ارفعوا القرآن كما رفعه هذا الرجل الصالح وقولوا: "إنه دستورنا" واجعلوه أمامكم يقودكم إلي خير البلاد والعباد وإلي جنات تجري من تحتها الأنهار!، وإلا فالله سائلكم في يوم تقفون فيه بين يديه مكبلين: ماذا فعلتم فيما استخلفتكم فيه من العمل بكتابي وسنة نبيي: "يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ". 

- اللهم مكن لدينك في الأرض وافتح له قلوب الناس.وائذن لشريعتك أن تحكم في الأرض وأن تسود.آمين.  

غريبة:

ليعذرني القارئ عن إدراج هذه الغريبة عن موضوع المقال  نظراً لأهميتها فقد وجدت أكثر من فرد يكلمني فيها وقد أبرزتها الصحف وبعض الفضائيات، وهي ما يتعلق بموقف حزب النور من ترشح السيسي للرئاسة، فقد نقل موقع جريدة الجمهورية عن الأستاذ نادر بكار التصريح التالي: "إن حزب النور ليس لديه موقف سلبي من ترشح الفريق السيسي لرئاسة مصر بصفته مدنيا"، ونظراً لبراعة البعض في شيطنة المخالف أحب أن أقول: إن الحزب أنكر فض الاعتصامات بالقوة، واستنكر سفك الدماء بغير حق من جميع الأطراف، واستنكر عزل الإخوان سياسياً، وما زالت مواقفه مبنية علي المصلحة العامة للبلد ودرء المفاسد عن الوطن قدر الإمكان، أما مسألة ترشح أي إنسان للرئاسة وغيرها هو حق يكفله الدستور والاختيار للشعب، هذه هي آلية الديمقراطية المتفق عليها بين الأحزاب، وكون الفريق السيسي يترشح للرئاسة بشرط أن يكون مدنياً فهو اختيار كان للإخوان سابقاً أيام عبد الناصر، فقد جاء في كتاب "الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ" (3/81)، قال الأستاذ محمود عبد الحليم، رحمه الله:

"وفاتني أن أذكر أن المرشد العام  حين عرض هذه القضية جعل لهم أحد خيارين : أحدهما أن يتخلوا عن كراسي الحكم لمن يختارهم الشعب ويرجعوا هم إلي صفوف الجيش مشكورين .. أما إذا اختاروا الاستمرار في كراسي الحكم: فعليهم في هذه الحالة أن يستقيلوا من الجيش، ويقطعوا صلتهم به ويصيروا مدنيين، وفي هذه الحالة أيضًا يرجع الجيش إلي وظيفته حارسًا لحدود البلاد، لا حارسًا لهم في مناصب الحكم. غير أن هذا كله لم يجد نفعًا فقد رفضوا الخيارين معًا، وقرروا أن يظلوا حاكمين وأن يظلوا في الجيش، واقتضي ذلك أن يجعلوا من الجيش آلة طيعة لهم فأخذوا من كل ذي رأي أو شخصية، وجعلوا مناصبه القيادية في أيديهم، وكان هذا هو الخلاف الجوهري الأول الذي تخطي جمال عبد الناصر بقوة شخصيته أمام زملائه بمجلس الثورة وطغيان نفوذه الروحي عليهم".

بل لما كان القيادات في المعتقل وقارب المعتقل علي الانتهاء اجتمعت الهيئة التأسيسة داخل السجن لدراسة مسألة مهمة وهي "أنهم حين يخرجون إلي الحياة سيجدون مجتمعًا ذا صبغة معينة، وسيجدون حكومة هي وليدة الصراع الذي كان بينهم وبين الثورة، فما موقفهم منها ومن هذا المجتمع؟ هل يقفون منها موقف المقاومة أم موقفاً سلبيًا أو يتجاوبون معها؟ ، وقد تمخض نقاشهم عن قرار مؤداه: أننا مهما كان رأينا في الحكومة فإن الشعب الذي تحكمه هو شعبنا، ومسئوليتنا عن مصالحه لا تقل عن مسئوليتها، فعلينا أن نتعاون معها فيما يعود علي هذا الشعب بالخير، منحِّين جانبًا ما بيننا وبينها من خلاف سياسي، وبذلك تكون في كل أحوالنا متجاوبين فيما عدا الاتجاه السياسي". السابق (3/453)

فالله المستعان علي طاعته، ونسأل الله للجميع التوفيق لما يحبه تعالي ويرضاه، وإلي حزب النور: امض ولا تلتفت، واجعل مرضاة الله أمام عينيك، وابتغ مرضاة الله وحده فإن مرضاة الناس غاية لا تدرك!