د. أحمد فريد - من أخلاق النصر فى جيل الصحابة "17" - بوابة الفتح الالكترونية
د. أحمد فريد
2015-01-17 23:47:00

*أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه أحد العشرة المبشرين يقتل أباه يوم بدر:
 
     في يوم الفرقان حين التقى الجمعان تعرض والد أبي عبيدة بن الجراح لأبي عبيدة ويتحاشاه أبو عبيدة فلما أصر أبوه على قتله تمكن منه أبو عبيدة فقتله.
 
*حنظلة بن أبى عامر رضى الله عنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قتل أبيه:
 
    ذكر الحافظ في "الإصابة": أن حنظلة بن أبى عامر استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قتل أبيه لما آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنهاه النبى صلى الله عليه وسلم عن ذلك.
 
*مبادرتهم رضى الله عنهم بالتوبة إن بدرت منهم معصية.
 
   الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا معصومين من الذنوب والخطايا والله عز وجل لم يوجب علينا العصمة ولكنه عز وجل أوجب علينا التوبة، قال تعالى: (وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون)
 
   وقال عز وجل فى وصف المتقين: (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون)، وقال: (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون)
 
فالمؤمن ليس معصوما من الذنوب، ولكنه يبادر بالتوبة ويسارع إليها إذا بدرت منه معصية، وهكذا كان الصحابة رضى الله عنهم، يسارعون إلى التوبة والإنابة.
 
    وقد فتح الله عزوجل هذا الباب العظيم باب التوبة ودعا كل العباد للولوج منه، قال النبى صلى الله عليه وسلم: "إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار،  ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها"
 
   وقال صلى الله عليه وسلم "إن الله عزوجل يقبل توبة العبد ما لم يغرغر"
 
قال الإمام النووي: وقد تظاهرت دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على وجوب التوبة، فالتوبة واجبة على الفور، وتأخير التوبة ذنب تجب التوبة منه.
 
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله:
 
    "واعلم أن الإنسان ما دام يأمل الحياة، فإنه لا يقطع أمله في الدنيا وقد لا تسمح نفسه بالإقلاع عن لذاتها وشهواتها من المعاصى وغيرها، ويرجيه الشيطان بالتوبة فى آخر عمره، فإذا تيقن الموت وأيس من الحياة أفاق من سكرته بشهوات الدنيا. فندم حينئذ على تفريطه ندامة يكاد يقتل نفسه، وطلب الرجعة إلى الدنيا ليتوب ويعمل صالحا فلا يجاب إلى شيء من ذلك ليستعدوا للموت قبل نزوله بالتوبة والعمل الصالح، قال تعالى: (وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون*:* واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون*:* أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله)"
 
    وقال تعالى: (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون*:* لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون)
 
    فكما أن الصحابة رضى الله عنهم سبقوا إلى كل خير، حت اشتهر عند أصحاب المنهج الصحيح منهج أهل السنة والجماعة: لو كان خيرا لسبقونا إليه، فهم كذلك في باب التوبة كانوا يبادرون بالتوبة والإنابة ويسارعون إليها إن بدرت منهم معصية.
 
وهذه صورة من مسارعتهم إلى التوبة رضي الله عنهم
 
*توبة ماعز والغامدية رضي الله عنهم:
 
عن سليمان عن بريدة رضي الله عنه قال: جاء ماعز بن مالك إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله طهرنى فقال: "ويحك ارجع فاستغفر وتب إليه".
 
قال: فرجع غير بعيد ثم جاء فقال: يا رسول الله طهرنى: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ويحك ارجع فاستغفر وتب إليه" قال: فرجع غير بعيد ثم جاء فقال: يا رسول الله طهرنى فقال النبى مثل ذلك.
 
    حتى إذا كانت الرابعة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فيما أطهرك؟" فقال: "من الزنا فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أبه جنون؟" فأخبر أنه ليس بمجنون فقال: "أشرب خمرًا؟" فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ""أزنيت؟" فقال: نعم. فأمر به فرجم فكان الناس فيه فرقتين؛ قائل يقول: لقد هلك، لقد أحاطت به خطيئته، وقائل يقول: ما توبة أفضل من توبة ماعز إنه جاء إلى النبى صلى الله عليه وسلم  فوضع يده فى يده ثم قال: اقتلنى بالحجارة. قال: فلبثوا بعد ذلك يوما أو ثلاثة ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم جلوس فسلم ثم جلس فقال: استغفروا لماعز بن مالك  قال: فقالوا غفر الله لماعز بن مالك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم".
 
قال: ثم جاءته امرأة من غامد من الأزد قالت: يارسول الله، طهرنى فقال: "ويحك ارجعى فاستغفرى الله وتوبى إليه" فقالت: أراك تريد أن تردنى كما رددت ماعز بن مالك قال: "وما ذاك؟". قالت: إنها حبلى من الزنا. فقال: "أنتِ؟" قالت: نعم. فقال حتى تضعي ما فى بطنك" قال: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت قال: فأتى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: قد وضعت الغامدية قال: "إذن لا نرجمها وندع ولدها صغيرا، ليس له من يرضعه" فقال رجل من الأنصار: إلى رضاعه يا رسول الله قال "فرجمها".
 
وفى رواية: فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة قالت: هذا وقد ولدته. قال: اذهبى فأرضعيه حتى تفطميه. فلما فطمته أتته بالصبى فى يده كسرة خبز: فقالت: هذا يا نبى الله قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبى إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها، فيقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فنضخ الدم على وجه خالد، فسبها فسمع النبي صلى الله عليه وسلم سبه إياها. فقال: مهلا يا خالد!! فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت.
 
قال النووي رحمه الله: هذا دليل على أن الحد يكفر ذنب المعصية التى حُدَّ لها، وقد جاء ذلك صريحا فى حديث عبادة بن الصامت رضى الله عنه وهو قوله: "من فعل شيئا من ذلك فعوقب به فى الدنيا، فهو كفارته".
 
ولا نعلم فى هذا خلافا، وفى هذا الحديث دليل على سقوط إثم معاصى الكبائر بالتوبة، وهى بإجماع المسلمين، إلا ما قدمناه عن ابن عباس فى توبة القاتل خاصة والله أعلم. فإن قيل: فما بال ماعز والغامدية لم يقنعا بالتوبة وهى محصلة لغرضهما وهو سقوط الإثم، بل أصرا على الإقرار، واختارا الرجم؟
 
فالجواب: أن تحصيل البراءة بالحدود، وسقوط الإثم متعين على كل حال، لاسيما وإقامة الحد بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وأما التوبة فيخاف ألا تكون نصوحا، وأن يخل بشيء من شروطها، فتبقى المعصية وإثمها دائما عليه، فأراد حصول البراءة بطريق متيقين، دون ما يتطرق إليه احتمال والله أعلم.
 
فالحدود كفارات كما أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم، والله عز وجل أرحم من أن يثني على العبد العقوبة على نفس الذنب فى الآخرة. ولئن وقع ماعز والغامدية فى كبيرة الزنا فقد وفقا لهذه التوبة التى مدحها رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد بصدقها، وطلب من الصحابة أن يستغفروا لماعز، وصلى بنفسه على الغامدية، فكان هذا الذنب كأنه لم يكن، وبقى لهما شرف الصحبة وثناء النبي صلى الله عليه وسلم على توبتهما وأعمالهما الصالحة.